خاص MDM News

د. منال عبد الصمد: ريادة نسائية جمعت بين إصلاح الدولة ورؤية المستقبل الرقمي

بقلم الدكتور نضال العنداري

 

في خضمّ الأزمات المتلاحقة التي عرفها لبنان، برزت شخصيات قليلة سعت إلى إدخال منطق الحوكمة الرشيدة والشفافية المؤسسية في جهاز الدولة. ومن أبرز هذه الشخصيات الدكتورة منال عبد الصمد، التي تولّت وزارة الإعلام سنة 2020، في مرحلة هي الأصعب على الصعيدين الداخلي والعالمي. لم تكن مسيرتها الوزارية عابرة، بل جسّدت تجربة إصلاحية مكثفة حاولت أن تعيد تعريف دور الإعلام العام، وتربطه بالمساءلة والحق في الوصول إلى المعلومات، بدل الاكتفاء بالصورة التقليدية للوزارة كأداة رقابة أو بوق سياسي. هذه المقالة تسعى إلى تقديم قراءة موسّعة في مسار عبد الصمد العلمي والمهني، وتحليل أبرز إنجازاتها، وطرح دلالات تجربتها على المستقبل الإداري للبنان.

 

النشأة والتكوين العلمي

وُلدت الدكتورة منال عبد الصمد في بلدة عماطور – قضاء الشوف، ونشأت في بيئة قروية عُرفت بالتمسّك بالتعليم كقيمة أساسية للارتقاء الاجتماعي. اختارت منذ البداية التخصّص في القانون العام والمالي، وهو مسار لم يكن مألوفاً لدى كثير من النساء في لبنان خلال التسعينيات. تابعت دراستها العليا في جامعة باريس 1 بانتيون – سوربون حيث حصلت على دكتوراه دولة في القانون العام المالي بدرجة ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى. هذا التكوين الأكاديمي أتاح لها الجمع بين الإطار القانوني الدقيق والرؤية المقارنة للأنظمة الضريبية والمالية.

إلى جانب الدكتوراه، نالت ماجستير في إدارة الأعمال (MBA) من الجامعة الأميركية في بيروت، ما أضاف إلى خلفيتها القانونية أدوات الإدارة والتحليل المالي. كما التحقت ببرنامج تنفيذي في السياسات العامة في مدرسة كينيدي بجامعة هارفرد، وهو ما مكّنها من الاطلاع على أحدث مقاربات الحوكمة والإدارة العامة في الدول المتقدمة. كل هذه الشهادات صاغت شخصية أكاديمية – إدارية ذات طابع مؤسسي، مؤهلة للعب أدوار قيادية تتجاوز حدود الإدارة التقنية.

 

التجربة في وزارة المالية

في وزارة المالية اللبنانية، تبوأت الدكتورة منال عبد الصمد على مدى أكثر من عقدين من الزمن عدة مواقع قيادية ضمن الإدارة الضريبية، بدءًا من إدارة خدمات المكلفين، مرورًا بـ إدارة التدقيق الضريبي والاسترداد، وصولًا إلى رئاسة دائرة التشريع والسياسات الضريبية.

برز دورها كواحدة من الرواد المؤسّسين لتطبيق ضريبة القيمة المضافة (VAT) في لبنان والمنطقة منذ عام 2000، حيث ساهمت في بناء الإطار التنفيذي والتشريعي لهذا النظام الضريبي الحديث، الذي شكل حجر الزاوية في تعزيز الإيرادات العامة.

امتد أثرها إلى الحقل الدولي، إذ شاركت في إعداد دراسات مقارنة تهدف إلى تكييف النظام الضريبي اللبناني مع المعايير العالمية، خاصة في إطار انضمام لبنان إلى المبادرة الدولية لمكافحة تآكل الوعاء الضريبي وتحويل الأرباح (BEPS)، تحت مظلة منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD) ومجموعة العشرين.

كما اكتسبت خبرة تقييم دولية رفيعة عبر اعتمادها مقيِّمًا معتمدًا في أداة تشخيص الإدارات الضريبية (TADAT) التابعة لصندوق النقد الدولي، مما أتاح لها المشاركة في تقييم الأنظمة الضريبية في عدد من الدول، وتعزيز رؤيتها المقارنة العابرة للحدود.

وعلى صعيد الشفافية، لم تكن الدكتورة عبد الصمد هي من أقرّ مرسوم الحق في الوصول إلى المعلومات، لكنه كان موضع اهتمامها البالغ، إذ عملت على تطبيقه كنموذج يحتذى في الإدارة العامة، فبادرت إلى تعميم ثقافة الشفافية والمساءلة داخل الوزارة، من خلال تدريب الموظفين وتوعية الجمهور بحقوقهم، لتكريس هذا الحق كممارسة مؤسسية لا كنص قانوني وحسب.

 

الانفتاح الأكاديمي والبحثي

لم تكتفِ عبد الصمد بدورها الوظيفي، بل عملت أيضاً في المجال الأكاديمي، فدرّست في الجامعة الأميركية في بيروت وفي جامعة القديس يوسف مواداً تتعلق بالمالية العامة، والميزانية، والإدارة الضريبية، والتخطيط الاستراتيجي. هذا الجمع بين الخبرة العملية والتدريس الأكاديمي أسهم في بناء جسر بين النظرية والممارسة، وكرّسها كمرجع في قضايا الحوكمة المالية.

 

تولّي وزارة الإعلام

مع تشكيل حكومة حسّان دياب في كانون الثاني/يناير 2020، تمّ تعيين منال عبد الصمد وزيرة للإعلام. كان هذا التعيين بحد ذاته إشارة مهمة: امرأة متخصصة بالقانون المالي والإدارة تتسلم حقيبة إعلامية، في بلد لطالما ارتبطت فيه وزارة الإعلام بالخطاب السياسي لا بالحوكمة. غير أن هذه الخلفية غير التقليدية أتاحت لها رؤية جديدة لموقع الإعلام في الدولة.

جاءت ولايتها في فترة مضطربة: الأزمة المالية الحادّة، اندلاع جائحة كورونا، ثم كارثة انفجار مرفأ بيروت. ورغم قصر المدة، وضعت عبد الصمد مجموعة من المشاريع التي بقيت بمثابة خارطة طريق لإصلاح الإعلام في لبنان.

 

أبرز الإنجازات في وزارة الإعلام

1. تفعيل قانون الحق في الوصول إلى المعلومات

من أهم إنجازاتها إصدار المرسوم التطبيقي رقم 6940/2020 الذي وضع آليات تنفيذ قانون الحق في الوصول إلى المعلومات الصادر عام 2017. هذا المرسوم أنهى سنوات من الجمود، وفتح المجال أمام المواطنين والصحافيين لتقديم طلبات معلومات رسمية، مع إلزام الإدارات بالرد خلال مهَل محددة. الخطوة اعتُبرت نقلة نوعية في مسار الشفافية.

2. إطلاق منصّة للتحقق من الأخبار

أمام انتشار الشائعات خلال جائحة كورونا، أطلقت وزارة الإعلام بقيادتها منصّة “Fact Check Lebanon” على الموقع الرسمي، بالشراكة مع منظمات دولية كمنظمة الصحة العالمية واليونيسف وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي. هدفت المنصة إلى رصد الشائعات وتصحيحها، ورفع الوعي بخطورة التضليل الإعلامي.

3. الإعلام العام كوسيلة للتعليم

في ظل إقفال المدارس، نسّقت مع وزارة التربية لاستخدام تلفزيون لبنان لبثّ الدروس التعليمية لطلاب الشهادات الرسمية. هذه التجربة شكّلت نموذجاً لاستغلال الإعلام العام في خدمة اجتماعية مباشرة، بعيداً عن دوره التقليدي.

4. مشروع “Liban Media”

طرحت عبد الصمد مشروعاً لتوحيد مؤسسات الإعلام العام (الوكالة الوطنية للإعلام، إذاعة لبنان، تلفزيون لبنان) ضمن منصّة رقمية واحدة تحت اسم “Liban Media”. الهدف هو تقليل الهدر، توحيد الأرشيف، وتسهيل التعاون بين المؤسسات.

5. آلية شفافة لتعيين مجلس إدارة تلفزيون لبنان

وضعت لأول مرة آلية واضحة لاختيار مجلس إدارة لتلفزيون لبنان، عبر فتح باب الترشح، دراسة الملفات، وإجراء مقابلات علنية. هذه الخطوة كانت بمثابة تكريس لمبدأ الحوكمة والشفافية في مؤسسة لطالما ارتبطت بالمحاصصة.

6. شراكات دولية للتوعية

عملت الوزارة على برامج مشتركة مع اليونسكو والمنظمة الدولية للفرنكوفونية لتعزيز التربية الإعلامية ومكافحة خطاب الكراهية، ما منح التجربة بعداً دولياً.

 

إدارة الأزمات الإعلامية

خلال جائحة كورونا، لعبت وزارة الإعلام دوراً غير مسبوق في إدارة المخاطر الإعلامية. فقد أُنشئ موقع خاص لتجميع البيانات الرسمية والتوجيهات الصحية، مع ربطه بحملات توعية في وسائل الإعلام التقليدية ومنصات التواصل. وهكذا تحوّل الإعلام العام إلى أداة في خدمة الصحة العامة.

 

الاستقالة بعد انفجار بيروت

في 9 آب/أغسطس 2020، وبعد أربعة أيام من انفجار مرفأ بيروت، أعلنت عبد الصمد استقالتها، معتبرة أنها لا تستطيع أن تستمر من دون ثقة الناس. كانت بذلك أول وزيرة تقدم استقالتها من الحكومة، في خطوة لاقت صدى واسعاً وأعطت دفعاً لبقية الوزراء للاستقالة لاحقاً. استقالتها شكّلت موقفاً أخلاقياً عبّر عن حساسية تجاه الرأي العام.

 

ما بعد الوزارة

بعد انتهاء ولايتها، واصلت عبد الصمد نشاطها الأكاديمي والاستشاري. فقد عُيّنت مستشارة في قضايا الإصلاح الضريبي والحوكمة، وقدمت خبرتها لهيئات دولية، إلى جانب مشاركتها في مؤتمرات عن الرقمنة، الحوكمة، والذكاء الاصطناعي. ما زالت تحافظ على موقعها كمرجع في السياسات الضريبية والإعلامية على السواء.

 

من الإعلام إلى الذكاء الاصطناعي: الرؤية المستقبلية

في عام 2025، شاركت الدكتورة منال عبد الصمد في مؤتمر الذكاء الاصطناعي في لبنان، الذي انعقد برئاسة الدكتور حكمت البعيني، أحد أبرز الشخصيات اللبنانية والعربية في مجال الذكاء الاصطناعي والتحوّل الرقمي. وقد شكّل المؤتمر منصة وطنيّة رفيعة جمعت نخبة من الخبراء والقيادات وصنّاع السياسات لرسم معالم رؤية وطنية شاملة حول الذكاء الاصطناعي، وسبل تسخيره للنهوض بالمجتمع اللبناني ومؤسساته.

جاءت مداخلة عبد الصمد لتُترجم مسيرتها المتجذّرة في الإصلاح الإداري، حيث قدّمت خطابًا دقيقًا وحيويًا ارتكز على أربعة محاور محورية:

• الذكاء الاصطناعي أداة لا غاية: أكدت أنّ الذكاء الاصطناعي ليس غاية تقنية قائمة بذاتها، بل وسيلة لتطوير الإدارة العامة، وتعزيز الشفافية، وتحسين اتخاذ القرار القائم على البيانات.

• التمييز بين الرقمنة والذكاء الاصطناعي: شرحت الفرق الجوهري بين الرقمنة (Digitization) التي تُعنى بتحويل الوثائق والعمليات إلى الشكل الرقمي، والذكاء الاصطناعي الذي يمنح المؤسسات قدرة على التعلّم الذاتي، والتنبؤ، والتحسين المستمر.

• العدالة الرقمية والتنمية المتوازنة: دعت إلى جعل التحوّل الرقمي فرصة لسد الفجوات لا لتكريسها، وأن يكون جسراً يربط بين المدن والقرى، الرجال والنساء، الكفاءات الشابة والقطاعات التقليدية.

• الفرص الاقتصادية في الاقتصاد الذكي: أشارت إلى أن الثورة الرقمية لا تلغي الوظائف بل تُعيد تشكيلها، مؤكدةً أن الاستثمار في التعليم الرقمي والمهارات المستقبلية هو شرط للتمكين الاقتصادي.

وقد عبّرت في كلمتها عن إيمانها العميق بأن التكنولوجيا لا تُستخدم فقط لتسريع العمل، بل لتكريس قيم الشفافية، العدالة، وتوسيع رقعة المشاركة. وقالت بالحرف:

“الذكاء الاصطناعي ليس امتيازًا لمن يملكه… بل مسؤولية لمن يعرف كيف يستخدمه ليُحدث فرقًا.”

مؤتمر الذكاء الاصطناعي في لبنان، بقيادة الدكتور حكمت البعيني، رسّخ نفسه كحدث تأسيسي، أعاد صياغة النقاش العام حول التكنولوجيا، وأطلق دينامية وطنية نحو تبنّي سياسات ذكية تخدم الإنسان قبل النظام. وقد مثّلت مشاركة عبد الصمد فيه امتدادًا طبيعيًا لمسيرتها في ربط الحوكمة بالإعلام، والإصلاح بالتقنية، والدولة بالثقة الرقمية.

 

الإصلاح الممكن في وجه المستحيل

تشكل الدكتورة منال عبد الصمد تجسيدًا نادرًا لنموذج قيادي متكامل، حيث تلتقي الدقة الأكاديمية مع الخبرة الميدانية، وتنسجم الرؤية الإصلاحية مع الهدوء التنفيذي الرصين. لم تكن تجربتها مجرّد عبور تقني في الإدارة العامة، بل كانت مشروعًا فكريًا – مؤسساتيًا متكاملًا، أعاد تعريف وظيفة الإعلام بوصفه سلطة مسؤولة، لا مجرد أداة تواصل، وربط بين الشفافية كحق دستوري والتنمية بوصفها واجبًا عمليًا.

رسمت عبد الصمد من خلال مشاريعها مسارًا يُحتذى به: تحويل الوزارة إلى منصّة إصلاح، تفعيل قانون الوصول إلى المعلومات، إطلاق منصّات للتحقق ومحاربة التضليل، توظيف الإعلام العام في خدمة الصحة والتعليم، وتقديم تصوّر استراتيجي لتوحيد الإعلام الوطني ضمن منظومة رقمية حديثة.

لكن الأهم من كل ذلك، أنها قدّمت نموذجًا حيًّا لامرأة قيادية تُجيد الإصغاء لا الضجيج، وتؤمن بأن الدولة تُبنى بالفعل لا بالكلام. ولعلّ أحد أبرز معالم تجربتها أنها لم تسعَ إلى الضوء، بل إلى إضاءة الطريق.

في عصرٍ يزداد فيه الالتباس بين النفوذ والخدمة، بين الخطاب والفعل، تبرز الدكتورة منال عبد الصمد كمرجعية هادئة، تُعيد التذكير بأن الإصلاح ممكن حين يُقترن بالمعرفة، وأن القيادة الحقيقية تُقاس بما يُنجز، لا بما يُقال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى