خاص MDM News

غسّان العريضي: حين تتحوّل الفكرة إلى وطنٍ متنقّل

بقلم د. نضال العنداري

 

في عالمٍ يزدحم بالأسماء التي تمرّ مرور السحاب، وتُنسى كأنها لم تكن، ثمّة رجال لا يُراكمون المال فقط، بل يُراكمون المعنى، كأنّ كل خطوة في دربهم تنقش أثرًا في الذاكرة، وكل قرار يتّخذونه يُضيف سطرًا إلى كتاب الحياة لا إلى دفاتر الحساب. غسّان العريضي ليس اسمًا عاديًا في سجلّ رجال الأعمال؛ بل هو فكرة تمشي على الأرض، محمّلة برسالةٍ خفيّة لا تُقال، بل تُفهم. رسالة مفادها: أن تصنعَ الفرق لا بالصوت العالي، بل بالرؤية العميقة. لا بالظهور المُبهرج، بل بالحضور الهادئ الذي يعرف متى يتكلّم… ومتى يُبدع بصمته.

في زمنٍ يهرول فيه الجميع نحو “الفرصة” كمن يصطاد فُتاتًا، ويقفز على الحبال كما لو أن النجاح قفزة عشوائية لا بناءٌ داخليّ، اختار العريضي أن يُصمّم الفرصة كما يُصمّم فنانٌ لوحةً: لا بعجالة، بل ببطء الواثق. لا بالكمّ، بل بالعمق. لا بالصرعة، بل بالجوهر. كان يُمعن النظر في تفاصيلٍ لا يلتفت إليها أحد، يلتقط الإشارة من بين الضوضاء، ويعرف كيف يُربّي الفكرة كما يُربّي أحدهم شجرة نادرة: يسقيها بالصبر، ويظلّلها بالمعرفة، وينتظر ثمرها لا ليأكله، بل ليُقدّمه للآخرين.

غسّان العريضي لم يكن تاجرًا يُتقن البيع، بل حكّاءً يُتقن بناء الحكاية. جعل من السياحة جسدًا له روح، ومن الضيافة وجهًا له ملامح. في عالمٍ يُباع فيه كل شيء، اختار أن يشتري الثقة، ويزرع الانطباع، ويُهندس الرحلة لا على قياس العادة، بل على قياس الإنسان. هو لا يُقيم المشاريع فحسب، بل يقيم لها أرواحًا تعيش بعده، وتتكاثر بسمعتها، وتكبر بمعناها.

أن تكون رجل أعمال ناجحًا، فتلك مهنة. أما أن تكون صاحب أثر… فتلك موهبة لا تُدرَّس، وذوق لا يُكتسب، وبصيرة لا تشتريها المناصب. وغسّان العريضي – في صمته المدروس، وفي اختياراته التي لا تتبع السائد، وفي سعيه لأن يكون الإنسان هو البداية والنهاية – أثبت أن بعض الرجال لا يصنعون الثروة فقط، بل يصنعون وجهًا آخر للعالم.

 

من لبنان البداية… ولكن ليست النهاية

لم تكن بيروت بالنسبة إلى غسّان العريضي مجرد مدينةٍ وُلد فيها، بل كانت مدرسةَ حسٍّ خفيّ، فيها تعلّم أنّ الذكاء ليس في أن تُراكم الشهادات، بل في أن تلتقط الإشارة وسط الضجيج، وأن تصنع من الفوضى طريقًا. هو لم يخرج من لبنان ليهرب من الضيق، بل ليحمل الوطن في داخله إلى مساحةٍ أوسع، ويُعيد تشكيله في مدنٍ أخرى، بلغاتٍ أخرى، على هيئة مشروعٍ يَنبض لا فقط برؤية اقتصادية، بل بذاكرةٍ جمالية.

فحين غادر، لم يُغادر روحه. حمل معه وجع وطنٍ يُصارع ليبقى، وخبرة بلدٍ يعرف كيف يحوّل الكارثة إلى فرصة. لكنه، وعلى خلاف كثيرين توقّفوا عند الحدود، مضى إلى ما وراء الفكرة: إلى الترجمة العملية للحلم. لم يقل “أنا لبناني”، بل عاش لبنان حيثما حلّ: في طيف الضيافة الذي لا يُزيف، في براعة التفاصيل التي لا تُعلَن، وفي الكرم الذي لا يُشهر نفسه، بل يتسرّب في الإيماءة، وفي توقيت الابتسامة، وفي فنّ التوقّع قبل الطلب.

في شوارع دبي الواسعة، لم يكن يسير كرجلٍ يبحث عن عمل، بل كمن يعرف ما جاء ليصنعه. في كل ندوة حضرها، في كل مشروعٍ وضع نواته الأولى، وفي كل خطةٍ خمسية رسمها على الورق، كانت بيروت تسكنه. لا كذكرياتٍ بعيدة، بل كمرآةٍ يرى فيها كل مدينة، وكل سوق، وكل فكرة.

غسان العريضي لم يكن مجرّد مهاجر ناجح، بل كان وما زال سفير إحساسٍ لبنانيّ خالص، لا يحتاج إلى سفارة. وإذا كانت بعض النجاحات تُعَدّ هروبًا من الوطن، فإنّ نجاحه كان امتدادًا له، وبيانًا صامتًا يقول: “أنا لم أغادرك، بل حملتُك في طريقتي بالعمل، وفي رؤيتي للإنسان، وفي شغفي بأن يكون كلّ شيء جميلاً… كما تمنّيتُ أن تكون.”

 

ألفا… أكثر من شركة

أحيانًا، لا تُبنى الشركات بالحسابات، بل تُبنى بالبصيرة. وأحيانًا، لا تكون الشركة مجرد كيانٍ قانوني له رقمٌ ضريبي ومكتبٌ فخم، بل تصبح كائناً حيًّا، له قلبٌ يخفق، وذاكرة تنمو، ووجدانٌ يُصغي إلى الناس لا فقط إلى السوق. هكذا نشأت “ألفا” – لا كواجهة لخدمات السفر، بل كمنصّة تُعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والمكان.

حين أسّس غسّان العريضي شركته في قلب دبي، لم يكن يفكّر كوسيط سياحي يبحث عن عمولة، بل كفيلسوفٍ يُصمّم تجربة الوجود ضمن مدينة. لقد رأى أن السائح لا يأتي ليرى فقط، بل ليشعر، وليحيا، وليتّصل بلحظةٍ نادرة من “الانتماء المؤقّت”. لذلك، لم تكن “ألفا” مجرّد حلقة في سلسلة التوريد السياحي، بل كانت الحرف الأول من أبجدية انبهار جديدة.

في ألفا، لا تبدأ الرحلة في المطار، بل في الفكرة. ولا تنتهي عند الفندق، بل عند الشعور. كل تفصيلٍ صغير – من الاستقبال إلى النبرة، من ترتيب المقعد إلى توقيت الموسيقى في عشاءٍ صحراوي – كان يُفكَّر به كما يُفكَّر الشاعر في الوزن. الشركة لم تكن تبيع باقة سياحية، بل كانت تُقدّم قصيدة مكتوبة بالرمل والضوء.

وكان غسّان حاضرًا في كل ذلك، لا كمدير إداري، بل كـ”مُخرج” يشرف على مشهدٍ حيّ. من تنظيم المؤتمرات إلى الرحلات الفاخرة، ومن تصميم الفعاليات إلى تحويل الصحراء إلى مسرحٍ صامت، كان الهدف دائمًا أبعد من “رضى الزبون”؛ كان إثارة الدهشة الهادئة، تلك التي لا تُنسى ولا تُوصف.

ومع الوقت، صارت “ألفا” أكثر من شركة. أصبحت علامةً حسيّة. أصبح اسمها مرادفًا لـ”تجربة راقية غير متكلّفة”، ولسفرٍ لا يُقاس بالمسافات، بل بالتحوّلات التي يُحدثها في الداخل. لقد استطاع العريضي أن يزرع في قلب مؤسسته فكرةً بسيطة وعميقة: أنّ الإنسان لا يسافر ليُضيف شيئًا إلى جدول أعماله… بل ليكتشف نفسه في مرآة العالم.

 

خريطة جديدة للسياحة

ليس كلّ من يقود سائحًا هو مرشد. وليس كلّ من يبيع تذكرة، يفهم حقًّا إلى أين يسافر الزبون. فالسفر، كما رآه غسّان العريضي، ليس انتقالًا من مطار إلى فندق، بل عبور من واقع إلى إمكان. ليس فقط زيارة معلمٍ أثريّ، بل انفتاح لحظةٍ على ذاتها، وتقاطُع حسٍّ مع عالمٍ جديد. ولهذا، لم يشتغل الرجل على تصميم “برامج سياحية”، بل على إعادة رسم الخريطة الداخلية للرحلة.

في نظره، لا تبدأ التجربة حين يحجز المسافر رحلته، بل حين يُقرّر أن يخرج من نفسه، وأن يُعيد اكتشاف الحياة من زاوية أخرى. لذلك، أعاد بناء المفهوم من الجذر: لا تسويقًا تقليديًا، بل سردًا جديدًا لكلّ وجهة، ولكل تجربة. لقد فهم أن المدن ليست مباني، بل روايات، وأن واجب شركات السفر أن تكون كتّابًا، لا فقط ناقلين.

من هنا، جاءت رحلات “ألفا” مغايرة. لم تكن جولات سياحية جاهزة، بل مسارات شعورية تُفصّل على قياس المسافر، وعلى توقّعاته الخفية، لا المعلَنة فقط. صحراء دبي لم تكن مجرد صحراء، بل مختبرًا للسكينة، وسكونًا شعريًا تحت قمرٍ خجول. وجولات المدينة لم تكن اجتياحًا صاخبًا للمراكز التجارية، بل لحظات تأمّل في هندسة المعنى. حتى الفخامة لم تكن مظهرًا، بل إحساسًا يُصاغ ببساطة، وبرفاهية التفاصيل.

لقد حوّل العريضي “إدارة الوجهات” من مهنة لوجستية إلى فنّ روائي، يعرف كيف ينسج اللحظات كما تُنسج القصائد. لا عجب إذًا أن يكون للمكان في فلسفته “مزاج”، وأن يُصمَّم البرنامج السياحي كما يُصمَّم العطر: بجرعات دقيقة من المفاجأة، والسكينة، والانغماس التدريجي في المكان.

أما على مستوى الأسواق، فلم يكن ينتظر الزبون أن يطرق الباب، بل كان يصنع الطلب حيث لا يوجد. فتح الأسواق الروسية والهندية والآسيوية لا بإعلانات تقليدية، بل بفهمٍ عميق لثقافتها، واحتياجاتها، وطريقة تفاعلها مع المكان. كان يعرف كيف يجعل من دبي حلمًا شرقيًا، ومن الخليج تجربة عالمية، دون أن يُفرّغهما من أصالتهما.

وهكذا، لم يعد العريضي مجرّد رجل أعمال يعمل في السياحة، بل أصبح مهندسًا لنوع جديد من التفاعل بين الزائر والمدينة. مدينةٌ لا تُقدَّم في كتيّب، بل تُمنَح كما يُمنح السرّ. وسائحٌ لا يُعامَل كزبون، بل كـ”عابرٍ يستحقّ الدهشة”.

 

من الرجل التنفيذي إلى صانع الرؤية

في الشركات التقليدية، يُعرّف المدير التنفيذي بموقعه في الهرم، وبما يتحكم به من موارد وبُنى. لكن غسّان العريضي لم يرضَ بهذا التعريف. لقد تجاوز منصبه بوصفه مديرًا، ليصبح مهندس رؤية، لا يُدير فقط، بل يُبصر. لا يكتفي بتسيير الأعمال، بل يُعيد تخيّلها من الجذر: كيف تعمل، لماذا تعمل، ولأجل من تعمل؟

كان يرى في كل اجتماع فرصة لصقل الاتجاه، وفي كل سوق جديدة ساحة لاختبار القيم، لا فقط المؤشّرات. لم يكن يسعى إلى النمو الرقمي كغاية، بل كان يبحث عن التوسّع الذي يحمل المعنى. لذلك، جاءت مشاركته في قمم السياحة العالمية ليست مجرّد حضورٍ برتوكولي، بل بوصفه شريكًا في صنع الرؤية المستقبلية للصناعة. لم يكن يُلقي الخطب، بل يُحرّك الأفكار، ويزرع أسئلة في أرضٍ تعوّدت على التكرار.

وقد أدرك مبكرًا أن السياحة، إذا بقيت أسيرة المفهوم التجاري الصرف، تموت. وأن عليها أن تتطوّر لتصبح منصةً للسلام، وللتبادل الثقافي، وللتلاقي الإنساني. لذلك، حرص على أن تكون ألفا جزءًا من هذه النقلة النوعية: ليس فقط جسرًا بين المسافر والمكان، بل جسرًا بين الثقافات، والقصص، والحساسيات.

ومع مرور السنوات، صار غسّان العريضي نموذجًا لرجل الأعمال الذي لا يخجل من الحلم، حتى وهو يتعامل مع جداول الإيرادات. رجلٌ لا يفصل بين “الحسّ” و”التحليل”، بل يرى أن الإبداع الحقيقي يبدأ حين تلتقي البصيرة مع الأرقام، والرؤية مع الانضباط.

ومن موقعه هذا، أعاد تعريف النجاح. لم يعد يعني له فقط حصة سوقية، بل مقدار ما تغيّره شركته في فهم الإنسان لرحلته. صار يقيس نفسه لا بما أنجز، بل بما ألهم، ولا بما راكم، بل بما فتح من آفاقٍ لغيره.

لقد بات من الواضح أن غسّان العريضي، في رؤيته العميقة، يُعامل السوق كما يُعامل الفنان لوحته: يرى الظلال، لا فقط الألوان. يُراكم الطبقات، لا فقط اللمسات. ويبني في النهاية شيئًا لا يمكن نسيانه، لأنّه يُرى بعين القلب، لا عين المصلحة.

 

لبنانيّته التي لا تُغادره

قد يهاجر الجسد، لكنَّ الروح لا تُطوى في حقيبة. وغسّان العريضي، رغم سنين الاغتراب، لم يفقد تلك اللمسة اللبنانية التي لا تُشترى، ولا تُصطنع. لم يُصبح من أولئك الذين ينكرون لهجتهم، أو يُواربون في الحديث عن هويتهم، بل حمل بيروت كما تُحمل صورة أمّ في الجيب الداخلي: لا يراها أحد، لكنها تُرافق كل نبضة، وكل خطوة، وكل قرار.

لبنانيّته لم تكن إعلانًا عاطفيًا، بل أسلوبًا في العمل، وفي العلاقات، وفي الصمت أيضًا. فيها الحنكة، وفيها الحنين. فيها الذكاء الذي يعرف متى يُساير، ومتى يُبادر. وفيها الإحساس بالناس، باللحظة، بالتفاصيل الصغيرة التي تصنع الفرق الكبير.

رغم نجاحه الصاعد في دبي، لم ينقطع عن جذوره، ولا أغواه بريق البُعد. ظلّ على علاقةٍ عضوية ببلده، لا فقط من خلال الروابط العائلية، بل عبر مساهمته في المبادرات التعليمية والمجتمعية، في مشاركته بالجامعات، وفي دعمه للكفاءات الشابة. لم ينسَ أنّ بلده يحتاج إلى أمثاله، لا كأبطالٍ خارجيين، بل كمصدر إلهامٍ داخلي، يُظهر أنّ لبنان ليس أزمة فقط، بل أيضًا قدرة على التجاوز، ومادة حية للابتكار.

إنّك حين تحدّثه عن الوطن، لا تجد فيه مرارة المنفى، بل حكمة العارف. لا يشتم الظلام، بل يُضيء الشمعة من حيث هو. وحين يلتقي اللبنانيين في الخارج، لا يُفاخر بهم، بل يحتضنهم كما لو أنّهم أبناء حارةٍ واحدة. هذه الروح هي التي جعلت اسمه موضع ثقة في كل محفل، لأنها تحمل الصدق في لهجتها، والبساطة في عظمتها، والحكمة في عفويتها.

ما حمله معه من لبنان لم يكن حقيبةً مليئة بالمستندات، بل أخلاق السوق، ودفء الحارة، وكرم البيت، ومرونة الحوار. وقد صاغ من كل ذلك سلوكًا إداريًا لا يُدرَّس، لكنه يُبهِر من يراه: أن تكون قريبًا من الموظّف دون أن تُساوم على الهيبة، وأن تكون حازمًا في القرار دون أن تخسر المودّة، وأن تجمع فيك الخفة الشرق أوسطية مع الرصانة العالمية.

وغسّان العريضي، بهذا المعنى، ليس فقط ابن وطنه، بل ترجمان حضاري له، يُثبت أن اللبناني حيثما ذهب، يمكنه أن يُبدع دون أن يتنكّر، وأن ينجح دون أن يتخلّى، وأن يُحسن البناء هناك… من دون أن يهدم ما تركه هنا.

 

ما الذي يُميّزه فعلًا؟

في زمنٍ تتشابه فيه الألقاب، وتتكاثر فيه السير الذاتية كالنُسخ المتكررة، يبقى السؤال الأصدق هو: ما الذي يُميّز إنسانًا عن آخر؟ ليس بما يقول، بل بما يترك خلفه من أثر لا يُرى، بل يُحسّ. وما يميّز غسان العريضي، على وجه الخصوص، ليس فقط ما أنجزه، بل الطريقة التي أنجز بها، والصمت الذي اختاره بدل الضجيج، والبصيرة التي كان يُراهن عليها في زمنٍ طغت فيه السرعة على الحكمة.

ما يميّزه أنّه يُدير بلمسة، لا بعصا. يفكّر كقائد، لا كمالك. يَعرف أنّ الهيبة لا تُفرَض، بل تُستَحق، وأنّ الإقناع لا يكون برفع الصوت، بل بجمال الفكرة وصدق النية. في لقاءاته، لا يتكلّم كثيرًا، لكنه يقول ما يُقال بدقّة. وفي مواقفه، لا يستعرض، لكنه يحضر. هو من أولئك الذين يعرفون أنّ كل قرار هو بصمة، وكل لحظة في إدارة الناس هي فرصة لصون الكرامة، لا لاستعراض السلطة.

يتميّز أيضًا بأنّه لا يكتفي بأن يفهم السوق، بل يفهم الإنسان في السوق. لا ينظر إلى الزبون كمجرّد رقم في تقارير الأرباح، بل ككائن يبحث عن لحظة يشعر فيها بالأمان، بالعناية، بالدهشة. ومن هنا جاءت فلسفته في تصميم التجربة: أن تُدهش دون أن تُربك، أن تُرفّه دون أن تُفرّغ، أن تمنح الخدمة دون أن تُهين الذوق.

كما يتميّز بثباته الهادئ في وجه المتغيّرات. فحين تهتزّ الأسواق، لا يهتزّ داخله. وحين تتقلّب الظروف، لا يُسرع ليُغيّر مبادئه، بل يُعيد تنظيم أدواته. وهذه القدرة النادرة على الموازنة بين المرونة والثبات، هي ما جعله صانعًا لا فقط للنجاح، بل للثقة.

ثمّ هناك شيء لا يُقاس ولا يُعرَّف، لكنه حاضر في كلّ ما يفعله: نُبلٌ داخليّ. نُبل في السلوك، في الحديث، في النظرة. وهذا وحده، في زمنٍ فقدَ الكثيرون بوصلتهم، يُعتبر تميّزًا جوهريًا. لأنّ من السهل أن تنجح، لكن من الصعب أن تنجح وأنت لا تزال إنسانًا جميلًا من الداخل.

 

مستقبلٌ يُصمَّم لا يُنتظر

الفرق الجوهري بين مَن يعيش اليوم ومَن يصنع الغد، هو في كيفيّة التعامل مع الوقت: هل هو قدرٌ ننتظره، أم مادة خام نُشكّلها؟ بالنسبة إلى غسان العريضي، الزمن ليس نهرًا يجرف، بل طينٌ يُعجنه الرائي بيده. لذلك، لم يكن يومًا من أولئك الذين يركضون خلف المستقبل، بل من أولئك الذين يُخطّطون له، ويُهندسون تضاريسه، كما يُخطّط معلّمٌ متمرّس لبيتٍ سيُبنى من دون أن يُرى بعد.

رؤيته للمستقبل لم تكن مجموعة توقّعات منمّقة، بل خطة عمل. ومع كل مرحلة، كان يُطلق خريطة طريق جديدة، لا تُركّز على نموّ الأرقام فقط، بل على توسيع الأفق: توسّع في الأسواق، في الشراكات، في نوع الخدمات، وفي طريقة التفكير نفسها. فحين كانت الشركات تُخطّط لموسمٍ واحد، كان يضع خططًا خمسية، واضحة ومترابطة، تنسجم مع رؤى المدن الكبرى التي يعمل فيها، وتسبقها أحيانًا في التخيّل.

هو لا يرى في “الفرصة” غنيمةً عابرة، بل يُعاملها كأرضٍ تحتاج إلى استصلاح: يدرس، يُخمّن، يتهيّأ، ثم يبذر. ولذلك، لم يكن يُفاجَأ بالنجاح، لأنه ببساطة لا يُراهن على الحظ، بل على التصميم الدقيق. التوسّع في آسيا، أو اختراق أسواق أوروبا الشرقية، لم يكن صدفة، بل نتيجة قراءةٍ ناضجة لحركة العالم، ولاتجاهات السياحة، ولتبدّل الذائقة البشرية في السفر والرفاه.

ثمّ إنّ المستقبل عنده ليس تكنولوجيا فقط، بل أيضًا قِيَم يجب أن تُربّى الآن. قيمٌ في كيفية التعامل مع السائح، في احترام البيئة، في دمج الثقافة بالخدمة، وفي جعل الشركات مواطنةً في المدن لا ضيوفًا عابرين. لهذا، فإنّه كلّما طوّر منتجًا، كان يسأل: هل يترك هذا تجربة حقيقية؟ هل يُضيف للمكان قيمة؟ هل يُكرّس انتماءً إنسانيًا أبعد من لحظة الاستهلاك؟

لقد علّم فريقه أن المستقبل لا يُنتظر كما يُنتظر الطقس، بل يُصنع كما يُصنع النحت: ضربةً بعد ضربة، وانتباهًا بعد انتباه. وأنّ الإبداع لا يأتي حين نستعير ما فعله الآخرون، بل حين نمتلك الجرأة لنفعل ما لم يُجَرَّب بعد.

غسّان العريضي، بهذا المعنى، لا يعيش في الحاضر فقط، بل يُقيم في المسودّة الأولى للغد. لا كمتنبّئ، بل كمهندس يعرف أن المسافات لا تُقاس بالزمن، بل بالتصميم. وأنّ مَن يملك الرؤية، يملك القدرة على أن يُطلق سهمه إلى مستقبلٍ لم يأتِ بعد، ثم ينتظره هناك… واثقًا، ومُبتسمًا، وحاضرًا قبل الجميع.

 

حين تصبح السمعة رأسمالًا

في عوالم الأعمال الصاخبة، تُشترى الأرقام وتُباع، تُلمّع الواجهات وتُجمّل السير الذاتية، لكنّ السمعة الحقيقية لا تُؤلّف، بل تُكتسَب. تُبنى بصمت، وتُختبر حين لا يكون أحدٌ يُراقب. وفي هذا الميدان الصامت، برع غسّان العريضي دون ضجيج. لقد فهم أنّ النجاح الحقيقي لا يقاس فقط بكم أنجزت، بل بكم من الناس يثقون بك دون أن تطلب ذلك.

السمعة، عنده، ليست مجرّد صيتٍ طيب، بل بنية تحتية غير مرئية تعمل من دون أن تُعلن عن نفسها. تشبه التيار الكهربائي في المبنى: لا نراه، لكنّ كل شيء يتوقّف إذا غاب. لذلك، لم يسعَ إلى السمعة كمن يُريد أن يُقال عنه، بل عمل على أن يكون ما يُقال حقيقيًا حتّى في غيابه.

ربّى ثقته كما يُربّى نبتٌ نادر: بسقاية الالتزام، وتقليم الأنانية، ودفء التعامل مع الناس. لم يكن ممن يبيعون الوعود، بل ممّن يفاجئونك بأكثر ممّا قالوا. وفي بيئةٍ تجارية تحكمها المنافسة الشرسة، كانت سمعته تُشكّل درعه، ومفتاح أبوابه، وضمانة شركائه. لم يكن يحتاج إلى أن يُقنع كثيرًا، لأنّ من عرفه اختبر في التعامل معه نوعًا من الطمأنينة النادرة: تلك التي لا تُنتَج بالخبرات فقط، بل بالصدق، وبالوفاء، وبالاستقامة المتكرّرة في التفاصيل الصغيرة.

وإذا كانت الأسواق تتبدّل، والعملاء يتغيّرون، والمنافسون يتزايدون، فإنّ ما بقي ثابتًا هو أن اسم غسّان العريضي، في محيطه المهني والإنساني، يرتبط بالثقة كما يرتبط النور بالنهار. ليس لأنّه تكلّم كثيرًا عن أخلاقيات العمل، بل لأنّه جسّدها، في أسلوبه، وفي إدارته، وفي طريقته في التعامل مع الضغط، والنجاح، والتحديات.

إنّ الرأسمال الحقيقي ليس ما ينام في البنوك، بل ما يُقيم في القلوب. وغسّان العريضي، بما نسجه من علاقات لا تُبنى على مصلحةٍ آنية، وبما قدّمه من رعاية حقيقية لكل من عمل معه، أثبت أن السمعة ليست نتيجة العمل… بل هي روحه.

 

بماذا نُشبّهه؟

لو أردنا أن نُشبّه غسان العريضي، فلن نُشبّهه بشيءٍ واحد، لأنّه ببساطة لا يختزل. هو لا يُمكن أن يُلخّص في عنوانٍ، ولا أن يُعلَّق كوسامٍ على جدار. بل هو أشبه بتعدّدٍ صامت، تتقاطع فيه الصورة بالحركة، والرؤية بالسلوك، والطموح بالهدوء. لكن لنسأل كما يسأل الشعراء: لو لم يكن إنسانًا، فماذا يكون؟

ربما يكون مهندسًا غير مرئيّ لمدينة لم تُبْنَ بعد. يمشي في الذهن وهو يرسم الأزقة، ويرى أماكن الراحة قبل أن تُصبّ فيها الخرسانة. يهندس العلاقات كما يُهندس المسارات، ويضع شرفات تطلّ على المعنى، لا فقط على المشهد.

أو لعله يُشبه قائد أوركسترا لا يحمل عصًا، بل يكتفي بنظرة، وبإيماءة، وبصمتٍ توقّعه الآلات دون أن تُدرك كيف. لا يعلو صوته، لكنّه يُشعر كل آلة أنها ضرورية، وكل عازفٍ أنه مسؤولٌ عن انسجام اللحن.

وقد نراه معلّم خزف، يُدير شركة كما يدير الخزّاف يديه على دولاب الطين: بلُطف، وثبات، ووعي بالحركة التي تخلق القوس لا التشقّق. لا يضغط كثيرًا، لكنه لا يتراخى، بل يمسك باللحظة في منتصفها تمامًا.

أو هو راوٍ قديم، يُمسك بالحكاية من خيوطها، ويعرف متى يُسكت اللهب، ومتى يُضيف جمرةً صغيرة لتشتعل الحكاية من جديد. يسرد بخفّة، لكنك تخرج من قصّته وأنت تشعر أنك عشتها.

وقد يكون أيضًا بوصلةً تمشي على قدمين، لا تصرخ بالاتجاه، لكنها لا تُخطئ الطريق. يُخطّط بصمت، ويعرف إلى أين يُريد أن يصل، لكن دون استعراض الخرائط. لأنه ببساطة، يحملها في صدره.

لكن أكثر ما يُشبِهه، ربما، هو النبض الداخلي لشركةٍ تعرف لماذا وُجدت. هو ذاك النبض الهادئ الذي لا يُرى، لكنه يحرّك كل شيء: القرارات، الفريق، الرؤية، الطموح. لا أحد يسمعه، لكن لو توقّف، لتوقّف كل شيء.

 

أكثر من نجاح

في حياة كثيرين، يكون النجاح خاتمة. أمّا في سيرة غسان العريضي، فهو بدايةٌ متجدّدة لمعنى أعمق، يتجاوز الأرقام والمراكز والألقاب. لقد نجح، نعم — لكنّه لم يتوقّف عنده، بل استعمله كأداة، لا كغاية. وكأنّه يقول إن الإنجاز الحقيقي لا يُقاس بما نربحه، بل بما نُضيئه في دروب الآخرين.

في عالم الأعمال، قد يلمع كثيرون، لكن قلّة هم الذين يضيئون دون أن يحترقوا. وغسان العريضي من أولئك الذين عرفوا كيف يجعلون من الحضور قيمة، ومن العمل رسالة، ومن الفكرة مسارًا حيًّا يُترجَم بالثقة والرفق والذوق الرفيع. هو رجل لا يفتح الأبواب بالقوّة، بل بكلمة لطيفة، وتوقيت حكيم، وشغف لا يُصرَّح عنه، بل يُلمَس في كل تفصيل.

لقد أثبت أن الريادة ليست استيلاءً على السوق، بل تشكيلٌ لثقافة جديدة في كيفية التعامل مع الإنسان، ومع المكان، ومع الزمن. وأن الشركة الناجحة لا تكبر فقط بمواردها، بل بنُبل مَن يقودها. في كل خطوةٍ خطاها، كان يترك خلفه بصمة خفيّة: في مهنية القرارات، في رقيّ العلاقات، وفي جمال اللغة التي يتحدث بها إلى السوق… وإلى الحياة.

وها هو اليوم، بعد عقودٍ من العمل، لا يزال واقفًا كما في اليوم الأول: مُبتكرًا، متواضعًا، وفيًّا، وقادرًا على أن يُدهشك ليس بما يقول، بل بما لا يحتاج أن يقول.

غسان العريضي، في النهاية، ليس مجرّد اسم في قطاع إدارة الوجهات والسياحة، بل مدرسةٌ في كيف يمكن لرجل أن يزرع أثرًا طويل المدى، من دون أن يصرخ، ومن دون أن يستعرض. رجلٌ جعل من الرؤية لغةً، ومن الرُقيّ سلوكًا، ومن النزاهة مبدأ، ومن المستقبل… مشروع حبٍّ صغير، صاغه كما يُصاغ الشعر في عقلٍ هادئ، وقلبٍ يُحبّ أن يرى الآخرين يبتسمون.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى