المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية: بين استباحة الأراضي، نزع السلاح وموقف “حزب الله”… قراءة في التفاصيل!

نوال أبو حيدر-MDM News
في خضمّ التوترات المتصاعدة على الحدود الجنوبية بين لبنان وإسرائيل، ومع تكرار الاستهدافات المتبادلة منذ بداية الحرب في غزة حتى نهايتها، عاد الحديث مجددا عن خيار المفاوضات المباشرة، ولو في إطار تقني أو ميداني، كسبيل لتفادي انزلاق الأمور إلى مواجهة شاملة. وقد أثار تصريح رئيس الجمهورية اللبنانية مؤخرا الذي أشار فيه إلى أنّ الحرب لم تُفضِ إلى نتائج إيجابية. من هنا تبرز تساؤلات جدّية حول احتمال فتح باب المفاوضات مع إسرائيل، في مرحلة تشهد فيها المنطقة تبدلات كبرى وتحوّلات في المواقف الإقليمية والدولية.
الطرح لا يزال إشكاليا في الداخل اللبناني، خاصة في ظل موقف “حزب الله” الرافض مبدئيا لأي شكل من أشكال التفاوض السياسي مع العدو الإسرائيلي، مقابل ضغوط دبلوماسية متزايدة من المجتمع الدولي لضبط الوضع الحدودي واحتواء التوتر، حفاظاً على الاستقرار الهشّ في المنطقة. وبين من يرى في المفاوضات ضرورة واقعية لحماية لبنان، ومن يعتبرها خيانة للمبادئ والثوابت الوطنية، تبرز أسئلة ملحّة: ماذا نعني بالمفاوضات؟ وتحت أي عنوان ستجري؟ وما هو موقف حزب الله من ذلك؟
نائب “الحزب”: موقفنا واضح!
من هنا، وباختصار شديد، يقول النائب علي فياض إن “ما طُرح من قِبل رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون، بحسب ما جرى تداوله، هو المفاوضات غير المباشرة على غرار ما كان قائماً في السابق، أي في مرحلة المفاوضات العسكرية غير المباشرة التي جرى اعتمادها أيضاً في الناقورة، أو تلك التي اعتمدت في ترسيم الحدود البحرية. فالمطروح هو مفاوضات عسكرية غير مباشرة، وعلى أي حال، يبقى موقفنا أن الوضع اللبناني والمصالح اللبنانية لا يستدعيان أكثر من ذلك أبداً”.
استباحة بلا رد… وتفاوض في المجهول
انطلاقاً من هذا الواقع، تقول مصادر مقربة من حزب الله “عندما نتحدث عن مفاوضات، فإنها عادة ما تكون بين طرفين يمتلك كل منهما، بالحد الأدنى، توازناً في موازين القوى. الدولة اللبنانية، عندما تسعى إلى التفاوض مع إسرائيل بطريقة غير مباشرة كما بادر رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون لا بد أن تتحلّى بهيبة تمكّنها من الوقوف بتكافؤ أمام العدو الإسرائيلي، لتجنّب الانزلاق نحو أي تصعيد قد يضرّ بالطرفين. لكننا اليوم أمام استباحة إسرائيلية كاملة للأراضي اللبنانية، في ظل صمت مطبق من الدولة اللبنانية تجاه هذه الانتهاكات”.
ماذا يعني أن نفاوض؟
وفي سياق متصل، تتساءل: “ماذا تعني المفاوضات؟ وماذا يعني أن نفاوض؟ وهل ستأخذ إسرائيل لبنان طرفاً في المفاوضات بمعزل عن سلاح حزب الله؟ فإذا اشترطت إسرائيل، للدخول في أي مفاوضات، نزع سلاح الحزب، فمن الذي سيتولى نزع هذا السلاح؟”.
وتتابع: “نأخذ على سبيل المثال تجربة حركة حماس، التي أعلنت استعدادها لتسليم سلاحها إلى الدولة أو إلى الجهة التي تدير قطاع غزة، مع العلم الكامل بأنها لن تسلّمه فعليا. لكن إذا افترضنا أن الدولة اللبنانية قررت الدخول في مفاوضات غير مباشرة، فمن المؤكّد أن الولايات المتحدة الأميركية ستكون الطرف الأقوى في إدارة هذه العملية. وإذا تولّت واشنطن إدارة المفاوضات، فستكون في مقدمة شروطها أن يكون لبنان منزوع السلاح، باستثناء سلاح الجيش اللبناني، الذي تتولّى الولايات المتحدة تزويده به حصريا”.
هل تستطيع الدولة اللبنانية الالتزام بهذا التعهّد؟
أمام كل تلك المعطيات، تؤكد المصادر نفسها أن “بطبيعة الحال الدولة لن تستطيع الالتزام بهذا التعهّد لأن حزب الله لا يمكن أن يسلّم سلاحه إلا في حال وجود ضمانات حقيقية وجدية بعدم الاعتداء على لبنان، وخروج إسرائيل من كامل الأراضي اللبنانية المحتلة، وضمان حق لبنان في استخراج ثرواته وبيعها بحرية كاملة”.
تحت أي عنوان تأتي هذه المفاوضات؟
على صلة بما سبق، تتساءل أيضا “ما إذا كانت هذه المفاوضات مع إسرائيل هي طريق إلى السلام؟ هل هي خطوة نحو التطبيع؟ أم أنها مجرد وسيلة لوقف الاعتداءات الإسرائيلية؟ وبدبيعة الحال، إذا كانت المفاوضات تهدف إلى السلام والتطبيع، فالأمر لا يتعلق بالدولة اللبنانية وحدها، بل هو قرار يخصّ الشعب اللبناني بأكمله، هذا الشعب الذي قدّم عشرات الآلاف من الشهداء كي لا يصل لبنان إلى هذه المرحلة. أما إذا كانت الغاية من المفاوضات هي فقط وقف الاعتداءات الإسرائيلية، فالسؤال المطروح، ألم تكن هناك تعهّدات أميركية سابقة بذلك؟ فلماذا نعود إلى النقطة نفسها؟ ولماذا نكرّر المسار ذاته إن كانت النتائج معروفة سلفاً؟”.
هل إسرائيل ستنسحب؟
توازياً مع ذلك، تشدّد المصادر على أن “إسرائيل لن تنسحب وهي في حالة تقدّم. فبعد وقف إطلاق النار، كان الاحتلال يقتصر على مساحة تُقدّر بـ10 كيلومترات مربعة، أما اليوم، في آب 2025، فقد ارتفعت هذه المساحة إلى نحو 15 كيلومتراً مربعاً. هذا يعني أن الاحتلال في حالة توسّع، لا انحسار، ما يجعلنا أمام تطور دراماتيكي خطير.
وتضيف: “أما المفاوضات التي يسعى إليها لبنان، فهي تفتقر إلى أي تكافؤ حقيقي، نظراً لأن الشرط الجوهري والأساسي لإطلاق مثل هذا المسار، بحسب ما تطرحه إسرائيل والجهات الراعية، هو نزع سلاح المقاومة، وطالما أن هذا الشرط غير قابل للتحقّق، فإن هذه الخطوة محكومة بالفشل منذ بدايتها، ولا يُنتظر منها أي نتائج فعلية”.
ما هو موقف حزب الله؟
في الختام، توضح المصادر أنه “حتى اللحظة، لم يُدلِ حزب الله بأي موقف دقيق بشأن الموضوع. أولاً، يتعامل الحزب مع مسألة حصرية السلاح كما لو أنها غير مطروحة أصلاً، أو كأنها مسألة منتهية، وهذا ما يُظهره موقفه الضمني من الملف. فما بالنا إذا طُرح موضوع التفاوض مع إسرائيل، ولو بشكل غير مباشر وتحت أي عنوان؟”، معتبرةً أنه “بالنسبة للحزب، السلام مع إسرائيل مرفوض بالمطلق، وهناك تجربة سابقة تتعلق بوقف الاعتداءات، حيث كان الفرنسي والأميركي راعيين لاتفاق يقضي بوقف الاعتداءات الإسرائيلية وانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة. لكن في الواقع، لم يُنفّذ أيّ من هذين البندين، ما يعزز الشكوك حول جدوى أي تفاوض جديد تحت الرعاية ذاتها”.



