الحرب الروسية بلا جبهة… ألمانيا تسعى لتوحيد الرد الأوروبي

تدفع ألمانيا شركاءها الأوروبيين إلى إنشاء قوة استجابة سريعة في منطقة بحر البلطيق، في وقت تواجه فيه برلين ما تصفه بحملة روسية متصاعدة من “الحرب الهجينة”، بما في ذلك محاولة تنفيذ هجوم بطائرة مسيّرة محملة بالمتفجرات استهدفت أحد أهم مطارات الشحن في البلاد.
وبحسب شبكة “فوكس نيوز”، طرح وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبريشت المبادرة عقب اجتماع عُقد في 28 آب في فلنسبورغ، وتهدف إلى تمكين دول بحر البلطيق من تبادل المعلومات بسرعة والتنسيق في مواجهة تهديدات هجينة تشمل الطائرات المسيّرة وأعمال التخريب والهجمات السيبرانية والتضليل والهجمات على البنى التحتية الحيوية.
وقال دوبريشت: “نريد تحويل بيئة التهديد المشتركة هذه إلى بيئة أمنية مشتركة”، محذراً من أن التهديدات الهجينة باتت أكثر تكراراً وتطوراً.
واكتسب الاقتراح زخماً جديداً بعدما اتهمت ألمانيا روسيا رسمياً هذا الأسبوع بالمسؤولية عن محاولة هجوم وقعت في 4 آب في مطار لايبزيغ/هاله، باستخدام طائرة مسيّرة تحمل متفجرات.
وقال مسؤولون ألمان إن نتائج تحقيقات الشرطة والمعلومات الاستخباراتية والأساليب المستخدمة في الهجوم دفعت برلين إلى استنتاج أن روسيا تقف وراءه. وأضافت الحكومة أن بعض مكونات الطائرة المسيّرة والمتفجرات وتقنيات التفجير تتطابق مع أساليب ظهرت في عمليات روسية هجينة سابقة وفي الحرب التي تخوضها موسكو ضد أوكرانيا.
ولم تكشف ألمانيا علناً عن الكثير من الأدلة التي تستند إليها، موضحة أن تفاصيل تشمل معلومات عن المشتبه بهم ومسارات سفرهم وتسجيلات المراقبة وأدلة الحمض النووي، يتم حجبها لحماية التحقيق.
وكان موقف لاتفيا أكثر حدة تجاه حادثة لايبزيغ.
وقالت وزيرة الخارجية اللاتفية بايبا برازه في بيان نشرته وزارة الخارجية: “الهجوم في لايبزيغ يؤكد مرة أخرى أن روسيا تشكل تهديداً مباشراً لأمن أوروبا بأسرها. لم يكن هذا مجرد هجوم هجين، بل إرهاب ترعاه دولة على الأراضي الألمانية”.
كما دعت برازه إلى مواصلة الجهود لتعزيز القدرات الدفاعية لأوكرانيا، وفرض عقوبات إضافية تهدف إلى الحد من قدرة روسيا على إنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة والأسلحة الأخرى.
وقال الفريق المتقاعد في سلاح الجو الأميركي ريتشارد نيوتن لـ”فوكس نيوز ديجيتال” إن الحادثة تعكس ما وصفه بنمط متزايد من الأنشطة العدائية.
وأضاف نيوتن: “نشهد بوضوح تصعيداً في نطاق وشدة الأعمال العدائية الروسية في المنطقة الرمادية في مختلف أنحاء أوروبا. لطالما استخدمت روسيا مجموعة متنوعة من الأساليب غير العسكرية والسرية والهجينة، مثل الهجمات السيبرانية وعمليات المعلومات والتخريب وغيرها من الوسائل السرية، لإحداث اضطراب مع البقاء تحت عتبة الصراع المفتوح مع حلف شمال الأطلسي”.
ووصف نيوتن اتهام ألمانيا لروسيا بالوقوف وراء مخطط لايبزيغ بأنه “خطير بشكل خاص”، معتبراً أنه “يظهر مدى خطورة هذه العمليات التي تتزايد”.
وردت ألمانيا بإعلان إغلاق القنصلية العامة الروسية في بون، وإنهاء الترتيب الذي يحكم عمل المركز الثقافي الروسي في برلين. كما قالت برلين إنها ستشدد ضوابط دخول المواطنين الروس وتزيد الضغوط على ما يعرف بـ”أسطول الظل” الروسي.
ونفت روسيا مسؤوليتها عن حادثة لايبزيغ، ووصفت اتهامات ألمانيا بأنها “مفبركة بالكامل”، واتهمت برلين بتصعيد التوترات، وفقاً لـ”رويترز”.
ويأتي تصاعد المخاوف في وقت تحقق فيه الشرطة الألمانية بشكل منفصل في سلسلة حوادث يُشتبه بأنها أعمال تخريب استهدفت البنية التحتية للكهرباء في البلاد هذا الأسبوع.
وكانت السلطات تحقق الجمعة في جهاز مشبوه عُثر عليه قرب محطة فرعية في دورماغن بولاية شمال الراين-وستفاليا، بعد حوادث وقعت في بيرغهايم وبراندنبورغ.
وفي بيرغهايم، أدى تدخل متعمد إلى إخراج وحدات لتوليد الكهرباء تعمل بالفحم البني، تبلغ قدرتها الإجمالية نحو 4200 ميغاواط، من الخدمة مؤقتاً، من دون أن يؤدي ذلك إلى انقطاع واسع للكهرباء.
ولم تربط السلطات الألمانية علناً حوادث شبكة الكهرباء بروسيا، وهي نقطة قال نيوتن إنها مهمة.
وقال: “علينا أن نكون حذرين عند تحديد الجهات المسؤولة عن هذه الأعمال العدائية، وأن نتأكد من امتلاك معلومات استخباراتية لا تقبل الجدل وتقود بوضوح إلى مصدر هذه الأعمال العدائية”.
وأضاف: “الحوادث المتعلقة بالبنية التحتية للطاقة في ألمانيا لا تزال قيد التحقيق، ولم تُنسب علناً إلى روسيا أو إلى أي جهة أخرى حتى الآن”.
ومع ذلك، قالت الحكومة الألمانية الجمعة إن البلاد تواجه تهديداً هجيناً مستمراً.
وقالت الحكومة: “ألمانيا ليست في حالة حرب، لكنها هدف يومي للحرب الهجينة”، مشيرة إلى هجمات على أنظمة الاتصالات وحملات التضليل وعمليات إحراق تستهدف قطاع الصناعات الدفاعية.
من جهته، قال الجنرال المتقاعد فيليب بريدلاف، القائد الأعلى السابق لقوات حلف شمال الأطلسي في أوروبا، لـ”فوكس نيوز ديجيتال”، إن موسكو تسعى بشكل متزايد إلى ممارسة ضغوط على الدول الغربية مع تجنب الدخول في صراع تقليدي.
وقال بريدلاف: “نعلم أن روسيا تحاول خوض حرب ضد العالم الغربي تحت خط الصراع الحركي، وأن أساليبها تزداد جرأة، سواء عبر العمليات السيبرانية أو التخريب أو الطائرات المسيّرة وغيرها من أشكال الضغط في أنحاء أوروبا. ونحن بدأنا ندرك حتى بعض الأمور التي تقوم بها داخل الولايات المتحدة”.
وأضاف أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سعى منذ فترة طويلة إلى استغلال الانقسامات داخل حلف شمال الأطلسي، “خصوصاً بين الولايات المتحدة وأوروبا”.
وقال: “على العالم الغربي أن يبذل مزيداً من الجهود لمواجهة التهديد الروسي”.
وتأتي المبادرة الألمانية الخاصة ببحر البلطيق في ظل جهود أوسع يبذلها حلف شمال الأطلسي وحكومات المنطقة لحماية منطقة باتت مرتبطة بشكل متزايد بتهديدات تستهدف الكابلات البحرية وخطوط أنابيب الغاز والنفط والشحن وغيرها من البنى التحتية الحيوية.
ويشغّل حلف شمال الأطلسي بالفعل مهمة “الحارس البلطيقي”، وهي نشاط أمني معزز أُطلق عام 2025 لتعزيز حماية البنى التحتية الحيوية تحت سطح البحر في بحر البلطيق.
وفي شباط، اتفقت الدنمارك وإستونيا وفنلندا وألمانيا ولاتفيا وليتوانيا وبولندا والسويد على تسريع شراء ودمج تقنيات جديدة للعمليات البحرية في بحر البلطيق.
وقال الحلف إن هذه المبادرة تستند إلى اختبارات شملت نحو 70 طائرة مسيّرة جوية وبحرية في عام 2025.
ورأى بريدلاف أن قوة الاستجابة السريعة التي تقترحها ألمانيا يمكن أن تساعد في سد الفجوة بين الاستجابات الاستخباراتية والأمنية والعسكرية للدول الشريكة في المنطقة.
وقال: “مبادرة ألمانيا في بحر البلطيق منطقية. وتكمن قيمتها أيضاً في تمكين الدول الشريكة من تبادل المعلومات بشكل أسرع، وربط الجوانب الاستخباراتية وإنفاذ القانون والعسكرية، واتخاذ القرارات قبل أن تتمكن روسيا من استغلال الارتباك أو التأخير”.
وقال نيوتن بدوره إن القوة المقترحة يمكن أن تكمل النشاط العسكري القائم لحلف شمال الأطلسي من خلال تحسين قدرة الحكومات على تبادل المعلومات الاستخباراتية بسرعة وتنسيق الاستجابات الأمنية.
وحذر بريدلاف من أن موسكو ستواصل البحث عن فرص لاستغلال حالة عدم اليقين.
وقال: “من دون شك، سيواصل الروس البحث عن أماكن يمكنهم فيها خلق حالة من عدم اليقين والتردد. نحن بحاجة إلى أن نصبح أفضل في رصد تحركاتهم بسرعة، والرد بقوة من خلال قوة حلفائنا”.



