رحلة الأدوار الحياتية: من الفردية إلى الأبوة الواعية

بقلم ناهية أبو ابراهيم
الحياة ليست مجرد أيام تمر وسنوات تتوالى، بل هي رحلةتحول عميقة تنتقل بنا من مرحلة إلى أخرى، كل منها تحملفي طياتها دروساً وجودية تمس صميم إنسانيتنا. إنهارحلة تبدأ بذات منعزلة وتنتهي بقلب ممتد للعالم.
في فجر الشباب، نعيش حالة فريدة من التناقضالظاهري. نتمتع بحرية القرار والفعل، لكننا نحمل فيأعماقنا أسئلة وجودية ثقيلة. تلك المرحلة التي يظن فيها المرءأن العالم يدور حوله، بينما هو في الحقيقة يبحث عن موقعهفي هذا الكون الواسع. أيام نعتقد فيها أننا نعرف كلشيء، لنكتشف لاحقاً أننا لم نكن نعرف حتى أنفسنا.
ثم تأتي لحظة التحول الكبرى، عندما يقرر شخصانمشاركة الحياة. هنا لا ينتقل الإنسان من العزوبة إلىالزواج فحسب، بل ينتقل من “أنا” إلى “نحن”. في هذهالمرحلة، يكتشف أن الحب الرومانسي الجميل الذي قرأ عنهفي الكتب ما هو إلا البذرة الأولى التي تحتاج إلى رعايةيومية كي تنمو. يصبح التواصل فناً، والتفاوض ضرورة،والتضحية اختياراً يومياً. الزواج ليس نهاية المطاف، بلبداية رحلة أكثر تعقيداً وإثماراً.
لكن التحول الأعمق يأتي مع قدوم الأطفال. فجأة، يصبحالإنسان مسؤولاً عن تشكيل إنسان آخر. ليس فقط عنطعامه وشرابه، بل عن قيمه وأحلامه وطريقة رؤيته للعالم. الأبوة ليست مجرد علاقة بيولوجية، بل هي مسؤولية وجودية. هنا يكتشف الوالد أن حياته لم تعد ملكه وحده، وأن سعادتهأصبحت مرتبطة بسعادة آخرين.
في كل مرحلة من هذه المراحل، هناك موت صغير لذاتقديمة، وميلاد لذات جديدة. المفتاح ليس في مقاومة هذاالتحول، بل في احتضانه بوعي وشجاعة. النضج الحقيقييكمن في القدرة على التخلي عن الأنانية تدريجياً، دون أننفقد جوهرنا الإنساني.
في النهاية، تثبت الحياة أنها ليست مساراً مستقيماً، بلرحلة متعرجة تصقلنا تحولاتها. من يعيش هذه الأدوار بوعيوإخلاص، لا يكتفي بالمرور في الحياة، بل يترك أثراًيستحق البقاء. لأن أعظم إنجاز في الحياة ليس ما نحققهلأنفسنا، بل ما نقدمه للآخرين.
بقلم ناهية أبو ابراهيم
مدربة معتمدة ومدربة علاقات زوجية



