خاص MDM News

الحرمان العاطفي: جريمة صامتة في حق الطفولة

بقلم ناهية أبو ابراهيم

 

في خضم معارك الطلاق والنزاعات الأسرية، هناك ضحايا يُنسون في زحمةالمشاحنات والخلافات. ضحايا لا يملكون صوتًا ليصرخوا، ولا قوة ليُدافعوا عنأنفسهم. إنهم الأطفال الذين يُحرمون من أحد والديهم، ليس بسبب الموت أوالبعد، بل بسبب قرار بالحرمان يُتخذ باسم “المصلحة”، أو تحت شعار “الطفللا يريد”. لكن الحقيقة المرة هي أن هذه الجريمة الصامتة تترك ندوبًا عميقة فينفوس هؤلاء الصغار، قد لا تظهر اليوم، لكنها ستُعلن عن نفسها غدًا، حينيكبرون وهم يحملون في دواخلهم أسئلة لم يُجابوا عنها، وأحزانًا لم يُعانِقهاأحد.  

 

الطفل الذي يفقد أحد والديه بسبب قرار بالحرمان لا يعيش مجرد فراغ عاطفي،بل يعيش حالة من الانهيار الداخلي. فهو لا يفهم لماذا لم يعد يرى أمه أو أباه،ولماذا تحوّل هذا الحب الذي كان يشعره بالأمان إلى شيء مُحرّم عليه. الطفل لاينسى، بل يكبر وهو يحمل في قلبه جرحًا غائرًا، يسأل نفسه دائمًا: “هل كانخطأي؟ هل لو كنت أفضل، لظلّ أبي وأمي معًا؟”. هذه الأسئلة لا تجد إجابة،فتتحول إلى شظايا تؤثر في شخصيته، في ثقته بنفسه، وفي قدرته على بناءعلاقات سليمة في المستقبل.  

 

الأقسى من الحرمان نفسه هو ذلك التلاعب بمشاعر الطفل، وإجباره علىكراهية أحد والديه، أو زرع صورة مشوهة عنه في ذهنه. فبدل أن يكون الطفلمحط حب وحماية من كلا والديه، يصبح سلاحًا في معركة لا ناقة له فيها ولاجمل. يُقال له إن أمه “لا تحبه”، أو إن أباه “سيء”، فينشأ وهو يحمل تناقضًاعاطفيًا عميقًا: كيف للشخص الذي من المفترض أن يكون مصدر أمانه أن يكونمصدر أذاه؟ كيف للحب أن يكون مجرد كذبة؟  

 

الكثيرون يبررون الحرمان بقولهم: “الطفل لا يريد”، لكن هذه العبارة في كثيرمن الأحيان ما تكون غطاءً لرغبات الكبار، وليس حقيقة مشاعر الصغار. الطفلقد يخاف من التعبير عن رغبته في رؤية والده أو والدته، خاصة إذا شعر أنهذا التعبير قد يُغضب الطرف الآخر. قد يبتسم ويقول إنه لا يريد، لكن فيداخله، هناك طفل صغير يتساءل: “متى سأرى أمي؟”، “لماذا لا يزورنيأبي؟”. هذه المشاعر المكبوتة لا تختفي، بل تتراكم، حتى تتحول إلى اضطراباتنفسية، أو إلى غضب مكبوت يظهر في سلوكيات عدوانية، أو في انعدام الثقةبالآخرين.  

 

لقد انتهت زوجيتكم، أيها الآباء والأمهات، لكن أبوّتكم وأمومتكم لم تنتهيا. فالأبوةوالأمومة مسؤولية لا تُلغى بطلاق أو خلاف. أن تمنحوا أطفالكم الحق فيالحب، الحق في رؤية والدهم أو والدتهم، هو أقل ما يمكن تقديمه لهم في خضمهذه العاصفة. لا تجعلوهم ضحايا لصراعاتكم، ولا تحمّلوا قلوبهم الصغيرة مالا تحتمل.  

 

الطفولة لا تعود، والجراح التي تُترك فيها لا تشفى بسهولة. فالوجع الذي لا يُفهمفي الصغر يصبح ندبة في الكبر. ندبة قد تؤثر في طريقة حبهم، في ثقتهمبأنفسهم، وفي نظرتهم للحياة. قبل أن تقرروا حرمان طفلكم من أحد والديه،تذكروا أنكم لا تأخذون منه مجرد شخص، بل تأخذون منه جزءًا من قلبه، جزءًامن أمانه، وجزءًا من مستقبله.  

 

في النهاية، أليس من حق هذا القلب الصغير أن يُحبّ ويُحَبّ بلا شروط؟ أليسمن حقه أن يعرف أن انفصال والديه لا يعني انفصال قلبه عنهما؟ فلنكن قدوةفي الرحمة، حتى وإن اختلفنا. لأن الأطفال يستحقون أكثر من أن يكونواضحايا لجريمة صامتة اسمها “الحرمان”.

 

ناهية أبو ابراهيم
مدربة معتمدة ومدربة علاقات زوجية

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى