خاص MDM News

المفاوضات على مفترق الطرق:بين الدبلوماسية ونار الميدان: هل نضجت “طبخة” التسوية أم احترقت الأوراق؟

بقلم هيام كساسير

​في دهاليز الدبلوماسية المظلمة، حيث تُصاغ الكلمات بميزان من ذهب وتُبنى المواقف على حافة الهاوية، يخوض الشرق الأوسط فصلاً جديداً من فصول “المفاوضات”. وبينما يترقب الملايين في لبنان والإقليم خبراً ينهي القلق الوجودي، يبرز السؤال الذي يفرض نفسه
المفاوضات.. هل هي جسر للعبور أم مجرد مناورة لشراء الوقت؟

​لم تعد المفاوضات في سياقها الراهن مجرد تبادل للأوراق أو بحث عن حلول وسط. المسار اليوم لا يتحرك في خط مستقيم، بل في دوائر مفرغة تغذيها أزمة ثقة عميقة بين الأطراف المتصارعة. يدخل كل طرف “غرفة العمليات الدبلوماسية” وهو يضع سقفاً من الشروط التعجيزية؛ ليس لتحقيقها بالضرورة، بل لاستخدامها كدروع دفاعية تحميه من تقديم تنازلات مؤلمة أمام حاضنته الشعبية التي لا تقبل بأقل من “نصر كامل”.
​الميدان.. المفاوض “الأصم”
​رغم أناقة البدلات الرسمية وهدوء الغرف المغلقة في العواصم الكبرى، يظل الميدان هو المفاوض الأكثر ضجيجاً وتأثيراً. المعادلة في الجبهات المشتعلة، بسيطة ومعقدة في آن واحد: من يربح متراً على الأرض، يرفع سقف شروطه على الطاولة.
​هذه العلاقة العكسية بين التصعيد العسكري والدبلوماسية جعلت من مسار التفاوض “رهينة” لتطورات الجبهات؛ حيث يخشى كل طرف أن يكون التوقيع اليوم بمثابة اعتراف بضعف الغد، مما يفسر الحالة التي نعيشها.
​لماذا لا يخرج “الدخان الأبيض”؟
​تتصادم الرغبة في التهدئة بجدار صلب من المعوقات الرئيسية، أولها الفجوة الاستراتيجية والتناقض الجذري في رؤية “اليوم التالي” للحرب، حيث يبحث طرف عن أمن مستدام بينما يقاتل الآخر من أجل البقاء السياسي.
​أضف إلى ذلك أزمة “الضامن”، وفقدان الثقة المطلق في القوى الدولية المنوط بها رعاية الاتفاقات، وصولاً إلى تحول الصراعات المحلية إلى أوراق ضغط في التوازنات الكبرى (الملف النووي، ممرات التجارة، والنفوذ الإقليمي)، مما يجعل الحل محلياً والقرار دولياً بامتياز.
​السيناريوهات المفتوحة: إلى أين تتجه البوصلة؟
​بين التفاؤل الحذر والتشاؤم الواقعي، يتأرجح المسار بين ثلاثة مآلات محتملة. الأول هو “الهدنة الهشة”، وهو سيناريو اتفاق “الحد الأدنى” الذي يبرد الجبهات دون حل جذري للأزمات، وهو الأكثر ترجيحاً لتجنب الانهيار الشامل.
​أما الثاني فهو “الانفجار الكبير” في حال فشل الدبلوماسية والعودة للغة السلاح لفرض واقع جديد بالقوة. ويبقى السيناريو الثالث متمثلاً في “الاختراق المفاجئ”، والذي لا يحدث عادة إلا في “لحظة النضوج” حين تصبح كلفة الحرب غير قابلة للتحمل لجميع الأطراف.

إن المفاوضات الجارية حالياً ليست غاية في حد ذاتها، بل هي وسيلة لإدارة الصراع بحد أدنى من الخسائر. والواقع يشير إلى أننا لا نزال في مرحلة “تحسين الشروط” لا في مرحلة “صناعة السلام”.
​سيبقى المصير معلقاً ، بانتظار لحظة نضوج سياسي قد تطول، لكنها حتماً ستأتي عندما يدرك الجميع أن طاولة الحوار، مهما كانت قاسية، تظل أقل كلفة بكثير من فاتورة الدماء المفتوحة التي يستنزفها الشرق الأوسط من وريده يومياً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى