عمر النخّال… عودة سلسة إلى الشاشة بوجه صقلته الإذاعة والتجارب

بقلم: رنا عاصي
لا تُقاس العودة إلى الشاشة دائماً بضجيج الظهور، بل أحياناً بمدى النضج الذي يحمله صاحبها حين يعود. ومن هذا الباب، جاءت إطلالة الإعلامي عمر الفاروق النخّال عبر شاشة سكاي نيوز عربية خلال تغطية الحرب على لبنان، متنقلاً في حضوره المهني بين بيروت والضاحية الجنوبية، في لحظة إعلامية دقيقة احتاجت إلى مراسل يعرف كيف يوازن بين حرارة الميدان وبرودة القراءة الصحافية.
لم تكن هذه العودة مجرّد ظهور عابر أمام الكاميرا إلى جانب نجوم المحطة ومقدمي البرنامج الذي تناوب على تقديمه في حلّته الجديدة حتى الآن شانتال صليبا وسامي قاسمي وماجد الفارسي ، بل بدت امتداداً لمسار طويل خلف الميكروفون وداخل غرف التحرير. فمنذ ظهوره التلفزيوني اللافت عام 2018 عبر شاشة تلفزيون المستقبل خلال تغطية الانتخابات التشريعية اللبنانية، ابتعد النخّال نسبياً عن الواجهة التلفزيونية المباشرة، لكنه لم يبتعد عن صلب المهنة.
على العكس، بدا أن السنوات التي قضاها في العمل الإذاعي، والتحرير الإخباري والمتابعة والاطلاع قد منحت ظهوره الجديد طبقة إضافية من الاتزان والتمكّن.
في تغطيته الأخيرة من لبنان، لم يظهر النخّال بوصفه مراسلاً يكتفي بنقل الحدث كما هو، ولا كمحلل يبالغ في الاستنتاجات خارج حدود الوقائع بل كان حضوره أقرب إلى صيغة تجمع بين دقة المراسل وحساسية المحرر وخبرة الإذاعي.

يعرف متى يختصر، ومتى يشرح، ومتى يترك للمشهد أن يتحدث من دون ازدحام لغوي وهذه واحدة من السمات التي لا تُكتسب بسرعة، بل تتراكم عبر سنوات طويلة من الاحتكاك اليومي بالأخبار وبالجمهور وبإيقاع البث المباشر.
أما إطلالاته التحليلية عبر برنامج غرفة الأخبار على شاشة سكاي نيوز عربية، فقد أظهرت رغم قصرها كفقرة افتتاحية للبرنامج الغني بلفاته، أظهرت جانباً آخر من هذه العودة فالحضور لم يكن مبنياً على الصوت العالي أو الاستعراض، بل على محاولة تفكيك المشهد اللبناني المعقّد بلغة مفهومة، متماسكة، وغير منفصلة عن الوقائع.
ففي الوقت الذي تتزاحم فيه الآراء والانطباعات، بدت مداخلاته أقرب إلى قراءة صحافية منضبطة، تستفيد من القرب الميداني ومن الخبرة التحريرية في آن واحد.

الأهم في هذه العودة أنها لم تحمل شعور “الاستئناف” بعد انقطاع، بل بدت طبيعية ومتدرجة، كأن صاحبها بقي طوال السنوات الماضية يتدرّب في مكان آخر من المهنة على عودة أكثر نضجاً. فالإذاعة منحت النخّال القدرة على بناء الجملة المسموعة، والتحرير منحه حسّ الانتقاء والدقة، والعمل خلف الشاشة علّمه أن الظهور الناجح لا يبدأ من الكاميرا، بل من فهم الخبر قبل الوقوف أمامها.
وبين تجربة 2018 التلفزيونية وتغطيات 2026 الميدانية والتحليلية، يمكن القول إن النخّال عاد إلى الشاشة لا بوصفه وجهاً يبحث عن حضور، بل إعلامياً صقلته المهنة في أكثر من مساحة. عاد بهدوء، لكن بثقة واضحة وبلا مبالغة في الأداء، لكن بحضور يشي بأن السنوات التي قضاها خارج الواجهة التلفزيونية المباشرة لم تكن غياباً، بل إعداداً طويلاً لعودة أكثر رسوخاً.

في زمن تتبدل فيه الوجوه بسرعة، تبقى العودة التي تستند إلى الخبرة أكثر بقاءً من الظهور العابر وهذا ما جعل إطلالة النخّال الأخيرة تستحق التوقف عندها.
لا بوصفها حدثاً شخصياً فقط، بل مثالاً على أن المهنة، حين تُمارس بجدية في الكواليس، تظهر آثارها بوضوح حين يعود صاحبها إلى الضوء.



