خاص MDM News

حسن مراد: بين حبر التربية ونبض الأرض

بقلم د. نضال العنداري

 

في المشهد اللبناني المتقلّب، حيث تتصارعُ المرجعيات، وتتنازع السياسةُ هويّتها بين الذاكرة الموشومة بتاريخ من التضحيات، وبين المصالح السريعة التي تعبر كظلّ لا يلبث أن يتلاشى، يغدو من الصعب أن تعثر على رجلٍ يدخل الشأن العام لا ليعلو صوته، بل ليصدح فعله، ولا ليُضاف إلى سلسلة الألقاب، بل ليكون من الصامتين الذين يحملون أثقال الناس دون أن يتحدّثوا عن ذلك.

ففي وطنٍ تكاد السياسة فيه تُختزل بفنّ البقاء، وتُقاس فيها القيمة بقدرة الخطاب على الضجيج لا على البناء، يظهر بعض الوجوه كأنّهم لم يأتوا من الباب الحزبيّ، بل من نافذة التواضع، من نواصي الناس، من وجع المدرسة الرسمية، ومن حيرة الأب الذي يسأل عن مستقبل ابنه دون أن يملك جوابه.

من بين هؤلاء، يبرز حسن عبد الرحيم مراد لا بوصفه استكمالًا لاسمٍ عائليّ ذائع، بل كمَن اختار أن يُعيد تعريف الحضور. فحضوره ليس في عدد المقابلات، ولا في ضجيج الشعارات، بل في قدرته على الإنصات قبل أن يتكلّم، وعلى الإصغاء للهمس الشعبيّ بدل الصراخ الإعلامي. هو ابن مدرسةٍ قديمة في الفعل العام، تُفضّل أن تشتغل في الظل لتُصلح العتمة، لا أن تتقدّم إلى الضوء بحثًا عن صورة.

كان يمكنه أن يكتفي بما ورث من حضورٍ تربويّ، ومكانة اجتماعية، وشبكة مؤسسات. لكنّه اختار أن يُعيد ترتيب الأدوار، فآثر أن يكون فاعلًا في الهامش، يصلح المتن بدل أن ينازع على صدارة المشهد. لم يبحث عن تأييدٍ على حساب القيم، ولا مارس التذاكي السياسيّ باسم الخدمات، بل اختار أن يمشي في الطريق الطويل، المتعب، المنسيّ أحيانًا… طريق التربية، طريق الكرامة، طريق الإنسان.

إنّه من طينة أولئك الذين لا تروّج لهم الصُحف، بل تروّج لهم المدارس التي ما زالت تفتح أبوابها في الأزمات، والمعلمون الذين ما زالوا يصبرون على رواتب لا تكفي، والطلاب الذين يبحثون عن الأمل وسط الخراب. هؤلاء هم الذين يشهدون له، لا لأنّه رفع الصوت، بل لأنّه أبقى على الوعد صامتًا، عاملًا، ثابتًا.

 

جذورٌ لا تتعالى

ليست كلّ الجذور تُرى، ولا كلّ من انتمى إلى أرضٍ جهر بها. فبعض الانتماء ينغرس في العمق بصمت، لا يطلب تعريفًا ولا يرفع شعارًا، بل يُثمر في المواقف حين يحين وقت الحصاد. وحين نتأمّل سيرة حسن عبد الرحيم مراد، نفهم أنّه لم يولد ليصنع مشهدًا، بل ليصون إرثًا دون أن يتباهى به، وليبني على ما قبله لا ليقتنصه، بل ليضيف إليه طابعًا خاصًا من الهدوء الفاعل والمثابرة اليومية الصامتة.

وُلد في البعيد… في ساو باولو – البرازيل، حيث كان والده الوزير والنائب التربوي عبد الرحيم مراد يشقّ طريقًا من الغربة نحو وطنٍ لم يكن يومًا بعيدًا عن القلب. لكنّ “الميلاد الجغرافي” شيء، و”الهوية العميقة” شيءٌ آخر. فمنذ عودته إلى لبنان، لم تكن خطوات حسن مراد نابعة من وصايا الوراثة السياسية، ولا من عقد التوريث السلطوي، بل من فهمٍ عميق أن التربية ليست مشروعًا انتخابيًا، بل التزامٌ وجوديّ يربط الإنسان بوطنه، والمدرسة بمستقبل البلاد.

في بيتٍ يشتغل منذ عقود على صوغ مشروع تربوي متكامل، لم يكن الغداء يُقدّم على مائدة السياسيين، بل كان يدور الحديث فيه عن مناهج، ومعلمين، ومدارس، ومناطق نائية تبحث عن أمل. هناك نشأ حسن، يسمع أكثر مما يتكلّم، ويختبر العمل التربوي لا من مقاعد المتفرجين، بل من كواليس الفعل، من مصافحاته مع أساتذة، من همسات أولياء الأمور، ومن تفاصيل ورقة القبول في جامعةٍ تُفتح أمام ابن الريف والبقاع والجنوب قبل ابن المدينة.

وحين شبّ، لم يتّجه مباشرة نحو عدسات الكاميرا ولا مقاعد القرار، بل اختار أن يخوض العمل الإداري والتربوي والمجتمعي بصبر المعلّم الذي يُمهّد الدرب ولا يظهر على المنصّة. في الجامعة اللبنانية الدولية، وفي مؤسّسات “الغد الأفضل”، اشتغل بيدٍ تمسك الميزانية وبأخرى تُصغي لحكايا الطلاب. لم يكن القرار عنده رفاهيّة مركزية، بل كان مقياسه الوحيد: من يستفيد؟ من يُنقَذ؟ من تُفتح أمامه نافذة كان يظنّها مغلقة؟

ولأنّه نشأ على هذا النوع من الحسّ الواقعي–الإنساني، لم يدخل الشأن العام حالمًا بمقعد أو ساعيًا إلى كرسيّ. بل جاء دخوله إلى الحياة السياسية نتاجًا طبيعيًا لمسارٍ طويل من التأسيس، من الخدمة، من الحضور المتواضع في ملفات تُغيّر مصير الناس دون أن تتصدّر نشرات الأخبار.

ففي عالمٍ يزدهر فيه الادّعاء، كان حسن مراد من القلّة الذين أحسنوا الإنصات قبل أن يتكلّموا، والذين اختبروا ثقل الخدمة قبل أن يتذوّقوا بريق المنصب. لم يكن دخوله إلى الدولة قفزةً في الفراغ، بل استمرارًا لمشروعٍ تربويّ إنساني، يرى في المدرسة محرابًا لا صفًا فحسب، وفي الطالب مشروع وطنٍ لا مجرّد متلقٍ للمعلومة.

وهكذا، صار من الطبيعي أن يحمل ملفات التربية لا كواجبٍ وظيفي، بل كامتدادٍ لذاكرة البيت، ولمسيرةٍ بدأها أبوه، لكنه قرّر أن يُكمّلها بروحه الخاصة، بلمسته المتأنيّة، برؤيته التي لا تهدف إلى أن تُصفّق لها الجماهير، بل أن تُحدث الفرق في حياة الناس بصمتٍ كريم.

 

من الوزارة إلى الساحة التربوية

حين أُسندت إليه حقيبة وزارة الدولة لشؤون التجارة الخارجية عام 2019، لم يكن حسن مراد يبحث عن لقبٍ يُضاف إلى اسمه، ولا عن دورٍ يُكرّسه في المعادلة الطائفية الهشّة التي تُملي على السياسة اللبنانية حركاتها وسكونها. بل دخل الحكومة كرجلٍ قادم من الهامش الإنمائيّ، ومن تجارب التنمية التربوية، ومن غرف الاجتماعات التي تُبنى فيها الخطط لا الكلمات. لم يكن وافدًا من خلفيّة حزبية ضيقة، ولا صنيعة محاصصة متعجرفة، بل جاء بهوية هادئة، خجولة أحيانًا، لكنها مثقّلة بالملفّات والنيّة الصادقة لخدمة وطنٍ يتداعى من أطرافه.

كانت تلك الفترة من أشدّ المراحل خطورة في تاريخ لبنان الحديث، إذ بدأ الوطن يترنّح تحت وطأة الانهيار المالي والاقتصادي. لم تكن الحقائب الوزارية آنذاك مفاتيح للمشاريع أو محاورًا للمؤتمرات، بل كانت مقاعد مثقلة بالركام، يُطلب من صاحبها أن يبني في الرماد، وأن يحاور بظلّ الدولة وهي تنهار بصمتٍ مفجع.

في تلك الظروف، لم يُسمع صوت حسن مراد كثيرًا في الإعلام، لا لأنّه غائب، بل لأنّه اختار أن يكون حيث الفعل، لا حيث الضوء. لم يتصدّر العناوين، بل كان يعمل في الخفاء، ينسّق، يدرس، يتواصل، يُمهّد لمبادرات قد لا تُرى اليوم، لكنها تُثمر في الزمن الذي لا يُصفّق فيه أحد.

لكنّ تلك التجربة، على قصرها، كانت بمثابة تذكرة عبورٍ نحو مشهدٍ أشمل، وأكثر التصاقًا بروحه الأولى. لم يتوقّف عند عتبة الوزارة، بل حمل معه ملفات الناس، ومعاناتهم اليومية، وانطلق بها إلى المجلس النيابي نائبًا عن دائرة البقاع الغربي – راشيا، حيث اختارته الناس لا لبلاغته، بل لثقتها بأنّها تُسلّم صوتها إلى مَن جرّب الخدمة لا السلطة، والإنصات لا التنظير.

ومن المجلس، لم يركن إلى مقعد المتفرّج، بل اختار أن يكون في مقدّمة العمل التشريعي الوطنيّ، حين تولّى رئاسة لجنة التربية والتعليم العالي والثقافة. ومن هنا، بدأت ملامح مشروعه الحقيقي تتبلور: أن يعيد للمؤسسة التربوية الرسمية مكانتها، لا كشعارٍ انتخابي، بل كقضية وطنيّة، تتقدّم على كل الاصطفافات، وتعلو على التجاذبات.

في اجتماعات اللجنة، وفي تصريحاتها، وفي متابعتها لأدقّ التفاصيل، كان حسن مراد صوتًا هادئًا لكنه حاسم، يدافع عن المدرسة الرسمية كما يُدافع الأب عن بيت العائلة في وجه العاصفة. لم يُطلق المواقف من بُرج نظري، بل من تماسٍ يومي مع حاجات المدارس، وآلام المعلمين، وصرخات الطلاب الذين يدرسون بلا كهرباء، ولا كتب، ولا أمل.

لقد فهم، بحسّه الميداني، أنّ المدرسة الرسمية ليست مجرّد بندٍ على جدول الأعمال، ولا ملفًا يُناقَش عند اقتراب الامتحانات. بل هي، كما يقول دومًا، “قلب الوطن النابض، وكرامة الفقير، وجسر الأمل الأخير”. المدرسة الرسمية هي الخطّ الدفاعي الأخير عن العدالة الاجتماعية، وهي المؤسسة التي إن انهارت، لن تبقى بعدها مؤسسات.

ولذلك، لم يكن عمله في لجنة التربية مجرّد تنسيق جلسات، بل كان ساحة مواجهة نبيلة، من أجل بقاء التعليم متاحًا، والكرامة محفوظة، والفرصة ممكنة لكلّ طفلٍ لبنانيّ، لا ببطاقةٍ حزبية، بل بشهادة مدرسية تفتح له باب الغد.

 

المدرسة الرسمية: المعركة النبيلة

ما من مؤشّرٍ يُفصح عن حال الأوطان كما يُفصح عنه حال مدارسها. فحيث تنهار المدرسة الرسمية، تسقط تدريجيًا كلّ فرص العدالة، والمساواة، وتكافؤ الفرص، وتغيب معها أحلامُ الطبقات الشعبية في الانتقال من الحاجة إلى الكرامة. هذه الحقيقة، التي تُقال أحيانًا في المؤتمرات كعبارة إنشائية، تبنّاها حسن مراد كموقفٍ وجوديّ، بل كأولويةٍ تُقدَّم على كل الملفات. فالمدرسة الرسمية عنده ليست بندًا من بنود الموازنة، بل الركيزة التي إن صمدت، بقي الوطن حيًا، وإن هُدمت، هُدم معه ما تبقّى من المعنى العام.

في كل موقفٍ أطلقه، في كل اجتماعٍ ترأّسه، وفي كل زيارةٍ ميدانية قام بها، بدا واضحًا أن الرجل لا يتحدّث عن المدرسة بوصفها مؤسسةً إدارية فحسب، بل ككيانٍ حيّ، مُصابٍ، يحتاج إلى إسعاف لا إلى تنظير. كان يرى في المدرسة الرسمية الأم الثانية للوطن، ومن يُهمّشها يُهين الفقراء مرتين: مرة حين لا يُنصفهم، ومرة حين يحرم أبناءهم من أدوات النهوض.

وقد كانت معركته التربوية معركة شجاعة في زمنٍ خجول، لا لأنّها شعبوية، بل لأنها نابعة من معرفة دقيقة بطبيعة الخلل، وبحجم المعاناة داخل جدران المدارس الرسمية في البقاع، والشمال، والجنوب، وبيروت على حدّ سواء. مدارس بلا مقاعد كافية، بلا تدفئة في الشتاء، بلا كهرباء ولا ورق للامتحانات، ومعلمون يُنتظر منهم أداء المعجزات في ظروفٍ لا تليق بأي كرامة مهنية.

أمام هذا الواقع، لم يختر حسن مراد لغة اللوم، ولا نهج التبرير. بل تحرّك بلغةٍ مسؤولة، تُحمّل الدولة واجبها، وتفتح القنوات بين المجلس النيابي ووزارة التربية، وتحوّل اللجنة البرلمانية إلى مساحة حقيقية للمتابعة، لا مجرّد غرفة اجتماعات موسمية.

وتحوّلت لجنة التربية في عهده إلى مرآة تُظهر الخلل وتعمل على إصلاحه، بدءًا من ملفّات المتعاقدين، ومصير الامتحانات، ودعم المدارس الرسمية، واحتياجات التعليم المهني، ووصولًا إلى القوانين الإصلاحية طويلة الأمد التي تحفظ التعليم بوصفه حقًا، لا امتيازًا طبقيًا.

لم تكن تلك المسيرة سهلة. فأن تُطالب للدولة في زمن العجز، هو بمثابة أن تزرع في أرضٍ ترفض المطر. لكن حسن مراد واصل العمل، مؤمنًا أنّ من لا يدافع عن المدرسة، لا يحق له أن يتكلّم عن الوطن. وأنّ الكرامة الوطنية لا تُبنى بالخطب، بل تُبنى من حصة طعام طفل، ومن راتب معلم، ومن صفّ لا يُهجّر أولاده إلى المدارس الخاصة.

لقد خاض معركة المدرسة الرسمية بوصفها معركة شرف، لا تحتاج إلى شعارات، بل إلى رجلٍ يحملها في وجدانه كلّ صباح، ويعرف أن التعليم هو السقف الأخير الذي إن سقط، سقط الوطن إلى حيث لا رجعة.

 

في ساحة راشيا: الميدان الذي لا يخون

من السهل أن يكون للنائب مكتب في العاصمة، أو أن يُصدر بياناتٍ من برجه العالي. لكنّ التمثيل الحقيقي لا يُقاس بعدد الإطلالات الإعلامية، بل بعدد الخطى التي تخطوها قدماه في أرض الدائرة، بعدد الأبواب التي طرقها دون مواكبةٍ ولا استعراض، بعدد الأمهات اللواتي سمعنه لا من خلف شاشة، بل في مجلس صغير على أطراف بلدةٍ منسية.

في راشيا والبقاع الغربي، حيث الجغرافيا شاسعة والموارد شحيحة، وحيث القرى تتناثر كنجومٍ بعيدة عن مركز القرار، اختار حسن مراد أن يكون النائب الذي لا يتذكّر دائرته عند الاستحقاق فقط، بل يقيم فيها مقام القلب من الجسد. فهو حاضرٌ في الأعياد كما في الأزمات، في تخرّج الصفوف كما في عتمة الشتاء، في دعوات المدارس الرسمية كما في حوارات القرى المحرومة من أبسط مقومات الإنماء.

يُعرف بين الناس لا بصفته “سعادة النائب”، بل بـ “الأستاذ حسن”، الرجل الذي يعرف أسماء المدارس، ويحفظ حاجات كل بلدة، ويمرّ على الإدارات التربوية كما يمرّ على أهله. حضوره ليس طارئًا، ولا متعاليًا، بل طبيعيّ، عضويّ، ابن يومه ومكانه.

وحين يحضر إلى المدارس الرسمية، لا يحضر ليُسجّل موقفًا، بل ليُصغي إلى المعلمين والطلاب، وينقل صدى أصواتهم إلى طاولة الدولة. يطلب تقارير الأداء، يسأل عن الحاجات، يراجع ميزانية المدرسة، ويُصغي إلى مديرةٍ تحكي عن غياب الدفاتر، أو أستاذٍ يدرّس على ضوء الهاتف. وبدل أن يكتفي بالتعاطف، يسجّل، ويتابع، ويعد، ثم يُنفّذ حيثما استطاع.

هذا النوع من الحضور لا يُصنع في الحملات، بل يُبنى على مدى السنوات، في صدق الزيارة، وفي أثر الفعل، وفي احترام الناس الذي لا يُشترى. والناس هناك، في البقاع، يملكون حاسةً حادّة تُميّز بين مَن يأتي ليُظهر نفسه، ومَن يأتي لأنّ هذه الأرض تشبهه، وتستحضره، وتصدّق إخلاصه من دون حاجةٍ إلى شرح.

ومن راشيا، إلى مشغرة، إلى سحمر، إلى الخيارة، إلى القرعون، كان مراد يسير كما يسير ابن البيت، يشارك الناس أفراحهم، ويواسيهم في المحن، ويحمل معه سؤال التربية حيثما ذهب. لا ينسى أن يذكرهم في كل خطاب، لا بوصفهم “ناخبين”، بل كجمهورٍ أصيل حمله على أكتاف الثقة، وسلّمه مفتاح الوجدان قبل مفتاح الصوت.

في زمنٍ اختلطت فيه مقاييس النيابة، وانهارت فيه الحدود بين التمثيل والاستعراض، قدّم حسن مراد نموذجًا نادرًا في السياسة اللبنانية: نائبًا يُشبه دائرته، لا يختبئ عنها. يمشي في أسواقها، يزور مدارسها، يُلقي السلام على بوّاباتها، ويُحاور إداراتها التربوية كما لو كان أحد أفراد طاقمها.

ذلك هو الميدان الحقيقي. هناك، حيث لا أضواء، ولا صفقات، ولا تصوير. هناك، في راشيا والبقاع، يُختبر النائب… وهناك، لم يخن حسن مراد الميدان يومًا.

 

ما لم يُقال بعد

ثمّة رجالٌ لا تكتمل صورتهم في الإعلام، لأنّ حقيقتهم لا تُختصر في مقتطفٍ ولا تُلخّص في عنوان. هم أولئك الذين يصنعون الفارق بعيدًا عن العواصف، يمشون بخطى ثابتة فوق طرقٍ مهترئة، ويعرفون أن الأثر لا يُقاس بعدد الكلمات، بل بنوعية الأثر في الناس. وحين نحاول أن نكتب عن حسن عبد الرحيم مراد، لا نكتب عن سياسيٍّ يهوى الظهور، بل عن رجلٍ اختار أن يخدم في زمنٍ عزّت فيه الخدمة، وأن يبني حيث تهدمت الجدران، وأن يُنصت حين علا ضجيج الادّعاءات.

ما لم يُقال بعد، هو ما تُخبرك به المدرسة التي فتحت أبوابها رغم العجز، بفضل متابعة لم تُعلن. وما تقوله معلّمةٌ عادت إلى التعليم بعد تثبيتٍ طال انتظاره. وما يفصح به طالبٌ يشعر أن أحدًا يدافع عنه في مكانٍ ما، دون أن يعرف اسمه حتى.

لم يُرِد مراد أن يكون بطلًا في خطابات، بل أن يكون جسراً صامتًا لعبور الناس نحو حقوقهم. لم يرفع الصوت ليُرضي الإعلام، بل رفع الملفات ليُنصف الميدان. لم يتعامل مع المنصب كمنصّة، بل كتكليفٍ يوميّ له توقيت داخلي يبدأ مع بدء الدوام في مدرسة رسمية، ولا ينتهي بانتهاء الجلسة النيابية.

وما لم يُقال أيضًا، أنّ هذا النائب الذي اختار التربية قضيتَه، لم يفعل ذلك بحسابٍ انتخابي، ولا بتكتيكٍ ظرفي، بل عن قناعةٍ بأنّ من لا يزرع في حقل التعليم، لن يحصد إلا مزيدًا من اليأس العام. وإنّ المدرسة ليست فقط مكانًا للتعلّم، بل هي مختبر الكرامة والعدالة والمساواة، وأعظم أشكال الاستثمار في ما تبقّى من الدولة.

لقد وقف في منطقةٍ رمادية بين حكومة منهَكة وبرلمان مشتّت، واختار أن يبني في الفراغ، وأن يزرع في أرضٍ أُعلنت عقيمة، ففوجئنا أنّها ما تزال تُنبت لمن يعرف كيف يرويها.

فهو لم يُراكم شعبيةً بخطابٍ ناريّ، بل راكم ثقة، تلك التي لا تُشترى، ولا تُهدى، بل تُكتسب من صدق الحضور، ومن دقّة الالتزام، ومن التجرّد عن الغنيمة. لم يتنكّر لجذوره، ولم يتباهَ بها. لم يعِد بما لا يُمكن، بل عمل قدر ما استطاع، وسعى بضمير من يعرف أنّ الناس لم تعُد تصدّق الوعود، لكنها تُصغي لمن لا يخذلها.

 

لأنّ الكرامة تبدأ من المدرسة

في زمن الشكوك، ثمّة رجال يُثبتون أن السياسة لم تمت بعد، وأنّ النيابة ليست مقعدًا يُنتَخب بل رسالة تُحمَل. وأنّ من يدافع عن المدرسة اليوم، إنما يدافع عن لبنان الغد، لا عن طيف ماضٍ ولّى. وفي تجربة حسن مراد، يتجلّى هذا المعنى بوضوح: رجلٌ من التربية، وإليها يعود، يقرأ في وجوه الطلاب مستقبلًا أفضل، وفي صبر المعلّمين شرفًا يُصان، وفي المدرسة الرسمية قلبًا يجب أن يبقى نابضًا، مهما اشتدّ الخطب وقلّ العون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى