رجل الدولة الهادئ: تأملات في تجربة صالح الغريب

بقلم د. نضال العنداري
في زمنٍ تضيق فيه المسافات بين الناس والمسؤولين، لا بسبب القرب، بل بفعل الغياب، يندر أن يظلّ السياسي على تماسٍ حيّ مع الأرض التي أنبتته. يُصبح المنصب درعًا لا نافذة، ويغدو الكرسي حاجزًا بدل أن يكون موقع إنصات. لكن في هوامش المشهد العام، تظهر شخصيات تختار أن تظل على تماس مباشر، لا فقط بالحياة السياسية، بل بالحياة كما هي: بتفاصيلها اليومية، ببساطتها، بوجعها وهمّها ومطالبها الصغيرة.
من هذه الزاوية، تحديدًا، يجب أن تُقرأ تجربة الوزير اللبناني السابق صالح الغريب؛ لا من خلال ما شغله من منصب، بل من خلال كيف شغله، ولمن وجّه فعله، وكيف اختار أن يبقى أقرب إلى الناس من الكراسي، وأكثر انحيازًا إلى احتياجاتهم من تموضعاتهم السياسية.
حين تسلّم الغريب حقيبة وزارة الدولة لشؤون النازحين عام 2019، كان ذلك في لحظة مفصلية، ضمن حكومةٍ تتكوّن على أساس التوازنات لا البرامج، وتُمنح فيها الوزارات وفق معادلات القوى لا حسب الخطط. وكان من المألوف، في سياق كهذا، أن يُتوقّع من وزير جديد أن يكتفي بدور رمزي أو إداري محدود، لا سيما في ملف معقّد ومتضارب كمثل ملف النازحين السوريين في لبنان. لكن الغريب لم يتعامل مع موقعه بوصفه مهمّة بروتوكولية، بل اقترب من الملف كمن يمسك جمرةً ملتهبة بيديه العاريتين، محاولًا أن يُبقي شيئًا من الحس الإنساني في وسط سوق المزايدات.
لم يكن خطاب الوزير صالح الغريب في ملف النزوح السوري مجرّد تكرارٍ لنغمةٍ سياسية مألوفة، بل جاء بنبرة مختلفة تتّسم بالرصانة والتوازن، وترتكز على رؤية ثلاثية الأبعاد. فقد انطلق في مقاربته أولًا من اعتبار أن الأزمة ليست رقمًا في التقارير، بل قضية إنسانية في جوهرها، تتصل بمصائر أفراد يعيشون في ظروف ضاغطة، ويستحقّون التعاطي معهم بما يصون كرامتهم، لا بما يختزلهم في معادلات ضيقة. ثم جاء البعد الثاني في تأكيده على أن الحلول لا تُنتجها الخطابات العالية، بل الواقعية السياسية، وأن التنسيق العملي مع الدولة السورية هو ركن أساسي في أي مسار جدّي لإعادة النازحين، بعيدًا عن التجاذبات الإيديولوجية التي تعرقل الفعل أكثر مما تخدمه. أما البعد الثالث، فتمثّل في رفضه للغة العداء أو التحريض، إذ أصرّ على أن النازح ليس خصمًا ولا عبئًا، بل إنسان له حقوق، كما للبنان سيادته وخصوصيته، وأن حماية الكرامة لا تعني التفريط بالأمن، بل تستدعي صياغة موقف مسؤول يُوازن بين الحزم الإجرائي والرحمة الإنسانية.
ورغم ما أثاره ذلك من سجالات، خاصة بعد زيارته إلى دمشق، إلا أنه ظلّ ثابتًا في منطقه الهادئ غير الصدامي، متحدّثًا بلغة لا تنتمي إلى معسكر الاستعراض، بل إلى مدرسة الفعل المتوازن. في بلدٍ يضجّ بمن يرفعون الصوت دون نتيجة، كان الغريب يُمثّل نقيضهم: يعمل بصمت، ويُنصت أكثر مما يتكلّم، ويحضُر حيث لا تُسلّط الكاميرات.
لكن الحكاية الأهم في تجربته لا تُختزل في الوزارة وحدها، بل تمتدّ إلى الأسلوب الشخصي الذي حافظ عليه قبل الوزارة وخلالها وبعدها. فقد بقي بيته في بلدة كفرمتى عنوانًا للجوار والضيافة، دون تغيير في مفاتيحه أو تقاليده. لم يُنشئ مكتبًا فخمًا يبعده عن الناس، ولم يجعل من لقب “معالي الوزير” سياجًا يُفصل بينه وبين من يحتاج إليه.
كان بيته مفتوحًا كما كان… وكان وجهه نفسه.
السبت، بالنسبة إليه، ليس عطلة نهاية أسبوع. بل هو اليوم الذي يستقبل فيه الناس، لا بموعد، بل بالحبّ. يقابل الأهالي، يستمع إليهم، يدوّن بيده ما يحتاجون إليه، ويتابع الأمور من دون أن ينتظر شكرًا. لم يكن ذلك استعراضًا اجتماعيًا ولا بناءً لقاعدة انتخابية، بل نمط حياة. من يسكن الجبل يعرفه، ومن يطلب واسطة استشفاء يجده، ومن يسأل عن منحة جامعية أو فرصة عمل، يطرق بابه دون أن يُسأل عن طائفته ولا انتمائه.
لم يغيّره المنصب، ولا خلعت عنه الحكومة بدلته الحقيقية. فحتى بعد انتهاء دوره الوزاري، ظلّ كما هو: يُشارك في الصلح الأهلي، يدعم المدارس الرسمية، يرعى مبادرات طلابية، يزور المرضى في منازلهم، ويظلّ جزءًا من النسيج الحيّ للجبل، لا جزءًا من طبقة منفصلة تعيش فوق المجتمع.
وحين واجه واحدة من أخطر لحظات حياته العامة—حادثة قبرشمون الدامية عام 2019، حين أُطلق الرصاص على موكبه وسقط ضحايا من مرافقيه—لم يُطلق هو، في المقابل، خطابًا ناريًا. لم يستخدم الدم في السوق السياسية. لم يستدعِ الخطاب الطائفي، بل استبقى صوت الدولة. كانت الحادثة كافية لتفجير الحكومة وتعطيل مجلس الوزراء، لكنها لم تكن كافية لدفعه نحو خطاب الكراهية.
لقد واجه الرصاص بالصبر، والعنف بالمسؤولية، واختار أن يحفظ دم مرافقيه بالتهدئة لا بالثأر.
ما ينبغي التوقّف عنده في تجربة الوزير صالح الغريب ليس فقط ما أنجزه من مهام، بل الطريقة التي فهم بها المسؤولية نفسها؛ إذ لم يتعامل معها كسلطة مفروضة من أعلى، بل كقربٍ دائم من الناس، كجزءٍ من نسيجهم لا من سلّمٍ فوقهم. فمكتبه لم يكن مؤسسة معزولة، بل امتدادًا لبيته، وروحه لم تتبدّل حين تغيّر موقعه، بل بقيت على سجيتها، منصتة ومتاحة. اختار أن يخدم بصمت لا أن يخطب بصخب، وأن يلبّي حاجة الإنسان العادي كما يلبّي جدول أعمال الحكومة. هناك، في هذا الفهم العميق للموقع العام، تُعاد صياغة السياسة في معناها الجوهري: لا كأداة نفوذ، بل كأخلاق حيّة تنبع من الناس وتعود إليهم، ممارسةً متواضعة، لا استعراضًا فوقيًّا. وحين تتجلّى المسؤولية بهذا الوجه، تُولد السياسة من جديد… لا كحرفة سلطة، بل كسلوك إنساني نبيل.
ولأن الغريب لم يكن يومًا متصنّعًا في حضوره، ولم يبدّل طباعه مع تبدّل موقعه، فقد استطاع أن يبني احترامًا عميقًا، لا يعتمد على الولاء، بل على الثقة. ثقته بنفسه، وثقة الناس به، دون أن يفرضها عليهم، ودون أن يطلبها منهم.
يُعدّ الوزير صالح الغريب نموذجًا نادرًا في الحياة السياسية اللبنانية؛ ليس لأنه أثار الجدل أو صنع لنفسه حضورًا إعلاميًا طاغيًا، بل لأنه اختار ألّا يتحوّل إلى نجم، وبقي ببساطة إنسانًا. لم يتعامل مع موقعه كحاجز يُبعده عن الناس، بل جعله جسرًا يصلهم به، فبقي متواضعًا في حضوره، صادقًا في أدائه، قريبًا في طبعه. كان يدرك، من اللحظة الأولى، أن “الخدمة العامة” ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، ولا لافتة تُعلّق على جدران المكاتب الرسمية، بل هي أسلوب حياة، يتجلّى في التفاصيل الصغيرة: في الإصغاء، في الاستجابة، في الحضور اليومي الذي لا يُشترط بالضوء، بل بالفعل. وهذا ما فعله الغريب بصمت، وبتجرّد، وبروحٍ تؤمن أن الموقع لا يُعلي من الإنسان… بل يكشف معدنه الحقيقي.
في لحظةٍ يتكاثر فيها الشك، ويضيق فيها الأمل، ويُعيد فيها اللبنانيون طرح الأسئلة الكبرى عن معنى الدولة، وجدوى السياسة، وصدقية القضاء، ومصير الوطن نفسه، تغدو النماذج الفردية الهادئة أكثر قيمة من أي خطاب صاخب. في زمن فقد فيه الناس ثقتهم بكل من يرفع صوته على المنابر، باتوا أكثر ميلًا لمن يقرع أبوابهم لا ليُخبرهم بما يفعل، بل ليسأل عمّا يحتاجون إليه. وهنا، في هذا الفراغ الذي خلّفته الشعارات المتآكلة، تبرز أهمية سيرة الوزير صالح الغريب، لا بوصفه استثناءً سياسيًا، بل كحالة إنسانية تمارس المسؤولية من موقع القرب، لا الفوقية.
ببساطته، بثباته، بتواضعه، لم يكتب الغريب خطابًا يُلهب الحشود، بل خطّ مسيرةً هادئة تُذكّرنا بأن الإنسان قد يكون وزيرًا… دون أن يتخلّى عن إنسانيته.
وهنا تكمن الخلاصة: أن القيمة الحقيقية لأي مسؤول لا تُقاس بعلوّ نبرته، ولا بعدد صوره، ولا حتى بطول مدّته في المنصب، بل تُقاس بقدر ما يظلّ حيًّا في ذاكرة الناس بعد أن يغادر، لا لأنّه صرخ… بل لأنه كان حاضرًا، متاحًا، بسيطًا، ثابتًا في زمنٍ يتبدّل فيه كل شيء.
وهكذا، فإن سيرة صالح الغريب لا تُضاف إلى أرشيف المناصب، بل تُضاف إلى ما تبقّى من ثقةٍ في أن المسؤولية العامة ما زال بالإمكان أن تُمارس كأخلاق… لا كامتياز.



