خاص MDM News

زيارة أحمد الشرع إلى موسكو: هل بدأت صفحة جديدة للعلاقة السورية-الروسية؟

محمد دياب مرزوق-MDM News

في 15 أكتوبر 2025، وصل الرئيس السوري أحمد الشرع إلى العاصمة الروسية موسكو في أول زيارة رسمية له إلى روسيا منذ تولّيه السلطة.  اللقاء مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لم يكن مجرد بروتوكول دبلوماسي عادي، بل إشارة إلى تغيّرات عميقة في مستوى العلاقة بين دمشق وموسكو، يتوازى معها تحوّل مهمّ في السياسة السورية بعد سقوط نظام بشار الأسد. 

من ثمّ، فإن هذه الزيارة تستحق تحليلًا موضوعيًا: ما الذي تحاول سوريا تحقيقه؟ وما الذي تسعى روسيا للحفاظ عليه؟ وما هي التحديات والصراعات الكامنة خلف تلك الصورة العلنية؟

ما تسعى إليه سوريا

من تصريحات الشرع ومرافقيه يمكن استخلاص ثلاثة محاور رئيسية:
1. استعادة السيادة وصُنع القرار المُستقل
قال الشرع أمام بوتين إن هدفه “استعادة وإعادة تعريف طبيعة هذه العلاقات… بحيث تنعم سوريا باستقلالها، ووحدتها، وسلامتها الإقليمية، وأمنها واستقرارها”.  هذه العبارة تشير بوضوح إلى رغبة دمشق في الانتقال من وضع «تلقّي الدعم» إلى وضع «شريك فاعل» بالشروط السورية.
2. المحافظة على المشاريع الاقتصادية والتقنية الروسية
أشار الشرع إلى أن قطاع الطاقة السوري يعتمد جزئياً على الخبرة الروسية، وأن العلاقات القديمة يجب أن تُحترم ضمن إطار جديد.  هذا يدل على أن دمشق تراه شريكاً مكمّلاً في إعادة الإعمار والنهوض، وليس مجرد مستفيد من الدعم.
3. موازنة النفوذ الخارجي وفتح باب الخيارات
الزيارة تأتي في وقت تشهد فيه سوريا تغيّرًا في قواعد اللعبة الإقليمية (مع الخليج، وإيران، وإسرائيل)؛ ويبدو أن الشرع يسعى إلى «تثبيت» روسيا كأحد الأعمدة الداعمة، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام قوى أخرى. 

ما تسعى إليه روسيا

من جانبها، موسكو لديها دوافع واضحة تحفظها على المشاركة، ولكن مع تحفظات جدّية:
• الحفاظ على القواعد والمواضع الاستراتيجية
ثانيًا بعد أوّلها، روسيا تعتبر وجودها العسكري في سوريا (قاعدة حميميم الجوية، والمرفأ في طرطُوس) أحد نقاط ارتكازها في الشرق الأوسط.  الشرع بدا مستعدًا لاحترام «جميع الاتفاقيات السابقة» مع روسيا، ما يشير إلى أن موسكو لن تضطر إلى الانسحاب الكامل فوراً. 
• التحوّل من دور حربي إلى دور إعادة إعمار وتحالف اقتصادي
بعد سنوات تدخل عسكري مباشر، روسيا تريد الآن أن يُنظر إليها كشريك بناء وليس فقط كقوة تدخل. تصريحات روسية تشير إلى استعداد لتوسيع التعاون في الطاقة، الإعمار، والمجالات التقنية مع سوريا. 
• تثبيت النفوذ مقابل تنازلات مضمَّنة
روسيا تدرك أن وضعها تغير: ليس لديها القدرة أو الرغبة في حمل سوريا وحدها، لكنها تحاول تحويل خسائرها في الحرب إلى مكاسب دبلوماسية واستراتيجية أقل تكلفة. 

نقاط التوتر والتحدي

على الرغم من الصورة الإيجابية، هناك عدة ملفات معقّدة قد تقف عقبة أمام تحقيق الشراكة الجديدة من دون توترات:
• ملف القواعد والوجود العسكري
رغم تصريح الشرع باحترام الاتفاقات، يبقى السؤال: ما هي شروط البقاء الروسي وهل سُيُقيَّد نشاط القواعد؟ تقرير تحليلي يُشير إلى أن الاستخدام الروسي الآن مُقيَّد أكثر من سابقاً، إذ يتطلب تنسيقاً مع السلطات السورية.  الخط الزمني والمضمون غير واضحين: هل سيبقى الدور الروسي طويل الأمد أم سيُصبح “انتظاراً” للدور السوري الكامل؟
• ترسيخ الشرعية الداخلية
الشرع جرى من المعارضة إلى السلطة، ويتعيَّن عليه الآن أن يُثبت داخلياً أن علاقته مع روسيا ليست تكراراً للهيمنة الخارجية التي انتُقدت منذ سنوات الحرب. الجمهور السوري لا يزال يحمل كثيراً من الغضب تجاه روسيا لدورها في دعم الأسد.  بناء الثقة المحلية سيحتاج إلى نتائج ملموسة، وليس مجرد تصريحات.
• الحسابات الإقليمية والمصالح المتقاطعة
سوريا الآن داخل شبكة علاقات معقدة: إسرائيل، تركيا، إيران، دول الخليج. أي تحالف مع روسيا يجب أن يُوازن هذه الأطراف. مثلاً، موسكو لا تريد أن تفقد موقعها في الشرق الأوسط بسبب صدام مع إسرائيل أو الولايات المتحدة. من جهة أخرى، سوريا قد تطلب من روسيا دعمًا في مواجهة الضغوط الإسرائيلية أو في إعادة بناء الجيش، ما قد يُعرّضها إلى التزامات أمنية غير مرغوبة. 
• إغراءات دولية وعقوبات
جزء كبير من إعادة إعمار سوريا مرهون بإمكانات التمويل وفكّ العقوبات. روسيا وحدها قد لا تستطع تقديم كل ذلك، وسوريا قد تحتاج إلى شركاء دوليين إضافيين. إن تشبّع العلاقة الروسية كثيراً قد يعزل سوريا عن فرصها مع الغرب أو الخليج.

قراءة ما بعد الزيارة: ماذا يمكن أن تتوقّع؟
1. إطلاق لجان مراجعة الاتفاقات: من المرجح أن تُشكَّل لجان سورية-روسية لإعادة النظر في العقود السابقة ونماذج التعاون الاقتصادي، بما يتلاءم مع «المرحلة الجديدة» التي أعلنها الشرع. 
2. توسّع في مجالات الطاقة والإعمار: روسيا ربما تستثمر في قطاع النفط السوري والمشروعات المرتبطة به، مقابل الحصول على تسهيلات أو ضمانات بشأن قاعدتها. 
3. تحوّل رمزي أكثر منه فعليّ الآن: حتى لو سُمّيّت الزيارة بـ “بداية عهد جديد”، فإن الواقع الميداني يحتاج وقتاً، خصوصاً أن الوضع السوري لا يزال هشاً والمنطقة مليئة بالمتغيّرات.
4. ضبط مزدوج للعلاقة مع الغرب والعرب: سوريا ستسعى إلى عدم أن تُستهلك العلاقة مع روسيا كقيد، بل يجب أن تكون جزءاً من استراتيجية أوسع تقودها دمشق. روسيا، بالمقابل، ستُحاول أن تظهر أنها ليست كطالب أو داعم حصري، بل شريك يُعامل على قدم المساواة.

الخلاصة

زيارة أحمد الشرع إلى موسكو قد تمثّل فعلاً نقطة تحوّل استراتيجية في العلاقة السورية-الروسية، لكنها ليست ضماناً بأن كل شيء سيتغيّر تلقائياً. إنها فرصة نظامية وجيوبوليتيكية: سوريا تبحث عن استقلالية أكبر وشركاء لإعادة الإعمار، وروسيا تسعى إلى تحويل خضوعها للحرب إلى شراكة أقل تكلفة وأكثر استدامة.

السؤال الأكبر هو: هل سيتمكّن الطرفان من تجاوز أعباء الماضي (الحرب، التدخّلات، الخسائر) وبناء شراكة قائمة على مصلحة متبادَلة حقيقية؟ وشدّة النجاح ستُقاس ليس بما تقوله التصريحات، بل بما يتحقّق على أرض الواقع: في استقرار سوريا، وضخّ استثمارات، وضبط لوجود عسكري أجنبي داخل البلاد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى