تمكين المرأة اقتصادياً في زمن الانهيار: طاقة مهدورة أم قوة قادمة؟

هيام كساسير _MDM News
بين الأزمة والفرصة
في بلدٍ يعيش على حافة الأزمات منذ أعوام، تتبدّى المرأة اللبنانية كوجهٍ آخر للأمل وسط الركام الاقتصادي.
بين انهيار العملة وتراجع القدرة الشرائية، وبين غياب السياسات الداعمة والبطالة المتفاقمة، تظهر المرأة العاملة في لبنان لا كضحية فقط، بل كعنصرٍ مقاومٍ اقتصاديًا.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه في زمن الانهيار:
هل تحوّلت طاقة النساء الإنتاجية إلى قوة قادمة تغيّر المعادلة، أم أنها ما زالت مهدورة في ظل غياب الدعم البنيوي والسياسي؟
الواقع الاقتصادي للمرأة اللبنانية
تشير بيانات منظمات محلية ودولية إلى أن مشاركة النساء في سوق العمل اللبناني لا تتجاوز 29%، وهي نسبة منخفضة مقارنة بقدرات التعليم والانخراط الاجتماعي العالي لدى النساء اللبنانيات.
ومع انهيار الاقتصاد منذ العام 2019، تراجعت فرص العمل التقليدية في قطاعات التعليم، المصارف، والإدارة العامة، لتلجأ آلاف النساء إلى العمل المنزلي الحر، المشاريع الصغيرة، والتجارة الإلكترونية كمحاولات فردية للبقاء.
ورغم ذلك، لم تُدرج الدولة حتى اليوم خطة وطنية حقيقية لتمكين النساء اقتصادياً، بل تُركت الجهود لمبادرات المجتمع المدني والمنظمات الدولية التي تحاول دعم مشاريع نسائية ناشئة بموارد محدودة.
من الانهيار إلى الإبداع
اللافت أن الأزمة لم تُخمد روح المبادرة، بل أيقظت طاقة إبداعية غير مسبوقة لدى النساء.
في الأحياء الشعبية كما في المدن الكبرى، برزت نماذج نساء أطلقن مشاريع منزلية تعتمد على الإنتاج المحلي:
من صناعة المونة والخبز إلى الأزياء المستدامة ومنتجات التجميل الطبيعية.
هذه المشاريع الصغيرة لا تشكّل فقط مصدر دخل، بل أيضًا رسالة مقاومة اقتصادية تقول إن النساء قادرات على تحريك العجلة الإنتاجية حين ينهار كل شيء آخر.
كما سجّلت ريادة الأعمال النسائية نموًا ملحوظًا عبر المنصات الرقمية، حيث استفادت الشابات من وسائل التواصل الاجتماعي للترويج لمنتجاتهن وخدماتهن.
وباتت الاقتصاديات المنزلية الرقمية تشكّل شبكة إنقاذ حقيقية لعشرات العائلات اللبنانية.
التحديات البنيوية
ورغم كل هذه الجهود، تواجه النساء عوائق مركّبة في طريق تمكينهن الاقتصادي، أبرزها:
غياب التشريعات العادلة التي تضمن المساواة في الأجور والفرص.
صعوبة الوصول إلى التمويل المصرفي بسبب فقدان الثقة بالقطاع المالي.
النظرة الاجتماعية التقليدية التي ما زالت تحصر دور المرأة في إطار العائلة فقط.
غياب البنية التحتية الاجتماعية التي تُمكّن المرأة من الجمع بين العمل والأسرة.
هذه التحديات تجعل تمكين المرأة في لبنان معركة مزدوجة: ضد الانهيار الاقتصادي من جهة، وضد العوائق الاجتماعية من جهة أخرى.
الاقتصاد النسوي كمحرّك للتعافي
يُجمع خبراء الاقتصاد على أن دمج النساء في سوق العمل ليس مسألة مساواة فقط، بل ضرورة وطنية لإنقاذ الاقتصاد اللبناني.
فلو ارتفعت مشاركة النساء إلى 50%، يمكن للناتج المحلي أن ينمو بنسبة تتراوح بين 8 و12% خلال خمس سنوات، بحسب تقديرات البنك الدولي.
هذا يعني أن المرأة ليست عبئًا على الاقتصاد، بل مفتاح نهوضه.
فالطاقات النسائية قادرة على إعادة بناء الإنتاج المحلي، وتأسيس مؤسسات صغيرة تحافظ على التوازن الاجتماعي في ظل غياب الدولة.
من الظل إلى الضوء
في زمن الانهيار، يخطئ من يظن أن النساء يبحثن فقط عن النجاة.
إنهن يصنعنها.
من بيوتهن، من أيديهن، ومن إصرارهن على البقاء في وطنٍ يترنّح بين الأزمات.
المرأة اللبنانية اليوم ليست طاقة مهدورة، بل قوة قادمة تحمل مشروعًا إنسانيًا واقتصاديًا لإنعاش البلاد.
لكن هذه القوة تحتاج إلى بيئة تشريعية عادلة، وسياسات دعم فعلية، لا شعارات موسمية.
ففي نهاية المطاف، حين تنهض النساء… ينهض الوطن.



