زياد حمزة… الرجل الذي صاغ ملامح الصوت العربي الحديث

بقلم د. نضال العنداري
في عالمٍ يتبدّل فيه إيقاع الإعلام كما تتبدّل طبقات الصوت في مقطوعة موسيقية تتقدّم نحو ذروتها، يطلّ زياد حمزة بوصفه أحد الوجوه التي لم تكتفِ بمواكبة التحوّل، بل أسهمت في إعادة توجيه مساره. فالرجل الذي نشأ في فضاء لبناني مشبَع بثقافة السمع وحضور الإذاعة، لم يتعامل مع الصوت كأداة مهنية، بل ككُتلة شعورية تحمل ذاكرة الإنسان ووجدانه. منذ خطواته الأولى، بدا واضحًا أنّ رحلته لن تكون رحلة موظّف يبحث عن استقرار وظيفي، بل رحلة صاحب رؤية يسعى إلى بناء مساحة جديدة للصوت العربي، مساحة تتّسع للإبداع وتُهذّب الفوضى وتعيد للموسيقى مهابتها الأولى. وحين غادر نحو لندن، لم تكن الغربة محطة انقطاع، بل لحظة اتساع؛ هناك، حيث تتجاور الثقافات وتتصارع المدارس، تبلورت لديه البذرة الأولى لفهمٍ جديد للإعلام: فهمٌ يرى أن الإذاعة ليست ما يُبث فقط، بل ما تُحدثه من أثر؛ وأن الموسيقى ليست نغمة تُستهلك، بل طاقة تُشكّل علاقة الإنسان بذاته وبزمنه.
هكذا بدأت تتضح ملامح مشروعه الإعلامي قبل حتى أن يعود إلى العالم العربي، مشروع يقوم على المصالحة بين الأصالة والتحديث، بين الصوت كفنّ والصوت كصناعة، وبين الجمهور كمستقبل والجمهور كشريك. ولذلك، حين التحق بمجموعة MBC في سنواتها التأسيسية، لم يكن دخوله خطوةً اعتيادية في مسار مهني، بل لحظة التقاء بين مؤسسة تبحث عن هويتها الإذاعية، ورجل يبحث عن فضاء يمنحه القدرة على تحويل رؤيته إلى واقع. منذ ذلك الحين، أخذ حضوره يتشكّل بثبات وهدوء، كأنّه يُشيّد بنية لا تلتفت إلى الصخب بقدر ما تنصت إلى العمق. ومع مرور السنوات، غدا اسم زياد حمزة مرتبطًا بالتحوّل النوعي في مفهوم الإذاعة العربية، وبقدرة نادرة على تحويل الموسيقى إلى لغة مشتركة تربط المجتمعات وتلتقي عندها الذائقات، في تجربةٍ ضمّت الحسّ الفني والرؤية الإدارية والوعي الثقافي، وصاغت لنفسها موقعًا لا يُشبه سواها في المشهد الإعلامي العربي.
يولد حضور زياد حمزة في المشهد الإعلامي العربي كما تُولد الظواهر التي لا تُصنَع بالمصادفة، بل تتشكّل عبر تفاعل الحسّ الفردي مع حركة الزمن. فالرجل الذي انطلق من بيئة لبنانية مشبعة بثقافة الصوت وصحوة الإذاعة، حمل منذ بداياته علاقة استثنائية مع البثّ، كأن المايكروفون مساحة اعتراف، وكأن الموسيقى خطابٌ يخصّه. لم تكن خطواته الأولى في لندن مجرد انتقال جغرافي، بل انتقال ذهني نحو عالم أوسع، عالم تتقاطع فيه الهويّات وتتجاور فيه المدارس، ما سمح لنظرته الإذاعية أن تتشكّل بعيدًا عن التكرار، وقريبًا من ابتكار طريق جديد يقيم بين الأصالة والتجديد منطقةً رحبةً يتحرك فيها بثقة.
وحين انضم إلى مجموعة MBC في التسعينيات، لم يدخلها كموظّف يضيف رقمًا في الهيكلية، بل كعقل يريد أن ينجز مشروعًا إعلاميًا له ملامحه الخاصة. في تلك الفترة، كانت الإذاعة العربية في مرحلة انتقالية؛ التكنولوجيا تُغيّر، والمنافسة تتوسّع، والذائقة تتبدّل. وسط ذلك، ظهر حمزة بوصفه صاحب رؤية لا تكتفي بإدارة المضمون، بل تعيد التفكير في طبيعة المضمون ذاته: كيف تُقدَّم الأغنية؟ ماذا يعني أن تصنع محطة إذاعية لها شخصية؟ كيف يمكن للصوت أن يظلّ صادقًا وسط عالم يتغيّر؟ لقد أسّس مبكرًا لوعيٍ يتعامل مع المستمع شريكًا، لا مستهلكًا، ومع الفنان قيمةً لا مادة قابلة للاستنزاف.
وفي إدارة الموسيقى والإذاعات، أظهر حمزة قدرة نادرة على المزج بين الحسّ الفني والبصيرة الإدارية. فهو ليس المدير الذي يقرأ الأرقام فقط، ولا الفنان الذي ينشغل بالذائقة فقط، بل الوسيط الذي يعرف أن الصناعة الناجحة تحتاج إلى توازن دقيق بين الفن والرؤية، بين التسويق والروح. تحوّلت الإذاعات في عصره إلى منصات لها صوتها المستقل، وانتقلت الموسيقى من كونها ترفيهًا إلى كونها مكوّنًا ثقافيًا واجتماعيًا. لقد نجح في جعل الإذاعة فضاءً متجددًا بدل أن تكون صندوقًا تقليديًا يعيد ما ينتجه السوق، بل أصبحت في يده محرّكًا للتغيير، تفتح المجال للمواهب وتُعيد تشكيل علاقة الجمهور بالموجات الصوتية.
ومع اتساع دوره داخل MBC، بدأ حمزة يقترب من المنطقة التي تُصبح فيها الإدارة مشروعًا ثقافيًا. لم يعد يُدير إذاعات فقط، بل يُشرف على حالة موسيقية عربية تتجاوز الحدود. أطلق مبادرات فنية، ورعى أعمالًا جمعت موسيقيين من بلدان مختلفة، وساهم في خلق مساحات مشتركة بين لبنان والإمارات والسعودية. ولعل القيمة الأكبر في تجربته هي قدرته على تقديم محتوى يحترم الجمهور ولا ينجرّ خلف السهل أو السريع، بل يعيد للغناء مكانته، وللصوت دوره، وللفنان حضوره الحقيقي. هكذا تحوّلت الموسيقى تحت إشرافه من “محتوى” إلى “رسالة”، ومن إنتاجٍ إلى أثر.
أما على المستوى الثقافي، فقد أظهر زياد حمزة وعيًا يذهب أبعد من حدود الشاشة والميكروفون. مشاركته في اللجان الثقافية والفنية في السعودية، وعمله في حماية الملكية الفكرية، يعكسان شخصية تدرك أن صناعة الموسيقى لا تقوم فقط على تقديم الأغاني، بل على حماية صُنّاعها وضمان حقوقهم وتطوير بيئتهم. هو يؤمن أن الفن لا يمكن أن ينمو في بيئة فوضوية، وأن الإبداع يحتاج إلى نظام يحميه، ولذلك كان حضوره في تلك المؤسسات امتدادًا طبيعيًا لرسالته في الإعلام. إنه لا يرى نفسه مديرًا فقط، بل جزءًا من البنية التي تحافظ على القيمة وتدعم التطوير.
وفي مشاريعه العامة، يظهر بوضوح شغفه بما يربط المجتمعات ويمنح الفن بُعدًا إنسانيًا. إشرافه على المبادرات المشتركة، وعلى مهرجانات تُكرّم رموز الفكر والفن، يُبرز فهمه لدور الإعلام في تعزيز الروابط الثقافية، لا في صناعة النجومية المنفصلة عن مجتمعاتها. إنه ينظر إلى التكريم بوصفه حماية لذاكرة الفن، وإلى الاحتفال بالشخصيات بوصفه إعادة الاعتبار للقيم التي صنعت نهضة المنطقة. لذلك، كان حضوره في “مهرجان ضيافة” وغيره من المبادرات جزءًا من مسار طويل يُعيد فيه الفن إلى مكانته كجسر حضاري، لا مجرد مادة للاستهلاك السريع.
وعندما ننظر إلى تجربة زياد حمزة اليوم، نراها تجربة رجل لم يصنع مسيرته على ضجيج الإعلام، بل على اتساق داخلي بين قناعته ودوره. بنى حضورًا هادئًا، لكنه عميق، لم يركض خلف الضوء بل صنعه من الداخل. في زمن تغيّرت فيه قواعد البثّ، وتحوّل الجمهور إلى كتلة عابرة تتحرك بين ملايين الخيارات، ظلّ ثابتًا على فكرة واحدة: أن الفنّ قيمة، وأن الصوت ذاكرة، وأن الإذاعة مكان لا يزال قادرًا على ملامسة الروح. لذلك، فإن تأثيره لا يُقاس بالسنوات التي عملها، بل بالمساحات التي وسّعها، وبالثقافة التي رسّخها، وبالأثر الذي تركه على المشهد الموسيقي والإعلامي العربي. إنها تجربة تُثبت أن القيادة الحقيقية ليست سلطة، بل رؤية، وأن الإبداع ليس مهنة، بل روحٌ تُنصت وتفهم وتُعيد تشكيل العالم من حولها.
بقلم الدكتور نضال العنداري



