خاص MDM News

صولجان هرمس وطاقة الكونداليني: حين ينهض العمود النوراني داخل الإنسان 

بقلم د. نضال العنداري

 

تبدأ القصة من أعمق نقطة في الإنسان، من تلك المساحة التي لا تُرى بالعين، ولا تُقاس بالأجهزة، لكنها تنبض بحياةٍ أخرى لا يعرفها إلا من جرّب السكون العميق. هناك، في الجذر الأول للوجود الإنساني، تستقر طاقة نائمة، ملفوفة على نفسها كأفعى من نور، تنتظر لحظة اليقظة. ليست أفعى هشّة، بل حكمةٌ مكثّفة، قوة خام، ذاكرة كونية اختزنها الجسد منذ فجر الخليقة. هذه هي طاقة الكونداليني؛ الشرارة التي إذا نهضت، تغيّر رؤية الإنسان لذاته، وتعيد تشكيل حدوده، وتفتح أمامه أبوابًا كانت مغلقة منذ ولادته.

ومقابل هذه الطاقة العميقة، يقف صولجان هرمس، الرمز القديم الذي جمع بين الأرض والسماء، بين الجسد والعقل، بين الغريزة والحكمة. ذلك الصولجان الذي يلتف عليه ثعبانان، لا دلالة فيه على الصراع، بل على التوازن: توازن بين قوتين تتحركان صعودًا، خطّان من الطاقة يتبادلان الارتفاع ويتقاطعان مرارًا، كما تتقاطع خبرات الإنسان وانفعالاته ومراحل نضجه.

وحين نجمع الرمزين، ندرك أن حياة الإنسان ليست سوى رحلة صعود للطاقة، من الجذر إلى القمة، من الغريزة إلى البصيرة، من الخوف إلى الحكمة. إنها رحلة تحوّل لا تشبه أي رحلة أخرى.

 

الصعود الأول: حين يبدأ الداخل يهمس

في اللحظة التي تستيقظ فيها طاقة الكاندوليني من سباتها العميق، لا يكون المشهد أشبه ببرقٍ يخترق الجسد، بل بارتجافةٍ أولى تشبه هسيس نورٍ يتقدّم خجولًا من أسفل العمود الفقري، كما لو أنّ الأرض ذاتها بدأت تبوح بسرّها في داخلك. هنا، لا يعود الجسد جسدًا فحسب، بل يصبح معبرًا بين عالمين: عالمٍ عُلويّ يتنفس من تاج الرأس، وعالمٍ سفليّ يستمدّ من جذوره حكمة الطين. وفي هذا البرزخ الدقيق يبدأ الشعور بأن شيئًا يتغيّر، شيئًا يتحرّك بلا صوت، كأنّ روحك تضع قدمها الأولى على سلّمٍ خفيّ صُنع من أنفاس الأوّلين ومعرفة الذين عبروا قبلك. إنّه الصعود الأوّل… الصعود الذي لا يراه الناس، ولا يشهد عليه إلا القلب الذي يشعر بارتجاجه الداخلية الأولى، تلك اللحظة التي تدرك فيها أنّك لم تعد كما أنت، وأنّ الطريق الذي سيُفتح بعد الآن هو طريقٌ لا عودة فيه إلى الجهل القديم.

ومع صعود الأنفاس نحو مساراتها العليا، يظهر صولجان هرمس، رمز الحكمة التي تجمع بين القوّة والمعرفة، كمعنى داخليّ لا كجسمٍ مادي. فيمتدّ فيك كخطّ من نورٍ عموديّ، يوازن بين أفعى العقل وأفعى الغريزة، ويوحّد بينهما في دورانٍ حلزونيّ يصنع بداياتك الجديدة. هنا يصبح الصعود الأوّل ليس حركة طاقة فحسب، بل لحظة ولادة: ولادة وعيٍ يدرك أن الصراع بين الظلمة والنور ليس معركةً خارجية، بل كيمياء داخلية تُدار بصمت. وفي هذا الصمت العميق، حيث لا تُسمع إلا نبضاتك، يبدأ الوعي يتهجّى لغته الأولى: “انهض… فقد حان زمنك”، فيفهم العارف أنّ الهمس لم يأتِ من داخله فقط، بل من عمق الحقيقة التي ظلّت تنتظره منذ دهر.

 

الالتقاء: حين تصعد الأفعى ويضيء الصولجان

عند كل دفعة ترتقي فيها الطاقة من قاع الجسد إلى قمته، يبدأ الداخل يعيد تشكيل نفسه كما يعيد النهر مجراه حين تجتاحه فيضانات الربيع. تتفكك العقد التي ظلّت مختبئة في الزوايا المظلمة من الذاكرة؛ عقدٌ صُنعت من خوفٍ طويل، وصدمات سحيقة، وموروثات لم نختَرها، وشكوكٍ تراكمت فوق القلب طبقة بعد أخرى. يتساقط كل ما تراكم بغير حق، كما يتساقط العود اليابس حين تستعد الشجرة لولادة موسم جديد.

وهنا يشرق معنى صولجان هرمس في أعمق تجلياته:
فالثعبانان الصاعدان ليسا مجرد رمز للثنائية، بل خارطة دقيقة لطريق العودة إلى الذات. أحدهما يمثل حرارة الجسد، غريزته، اندفاعه، ورغبته في الحياة، والآخر يمثل صفاء الوعي، نور الفكر، والقدرة على إدراك ما وراء الظاهر. أحدهما يسري كجمرة تحت الجلد، والآخر كضوءٍ ينساب في الممرات الدقيقة للروح.

وحين يصعدان جنبًا إلى جنب، لا يتصارعان ولا يلغيان بعضهما، بل يلتقيان في نقاط فاصلة، نقاط تشبه لحظات الكشف التي تضيء في العقل للحظة ثم تعيد ترتيب كل شيء بعدها. في هذه اللحظات، ينفتح مركز من مراكز الطاقة، كنافذة سرية في عمق الإنسان، ويشعر بأنه ارتقى درجة في سُلّم غير منظور، سلّم يقوده نحو معرفة لم يكن يتخيّل أنه قادر على حملها.

إنها ليست فلسفة تُقرأ، ولا نظرية تُحفظ، بل تجربة تُرجّ الروح من أعماقها، وتترك الإنسان واقفًا على عتبة جديدة من عتب الحقيقة.

 

التفتح: عندما يُفتح التاج ويبدأ البصر يرى البصيرة

وحين تبلغ الطاقةُ قمّة الرأس، يحدث في الداخل انقلاب لا يشبه شيئًا ممّا عرفه الإنسان من قبل؛ كأن صمتًا قديمًا ينهض من الأعماق، ويعيد ترتيب كل ما ظنّت الروح أنه ثابت. ليس الحديث عن “عين ثالثة” بالمعنى الخرافي الذي يتداوله الناس، بل عن نافذة داخلية تُفتح على مستوى من الرؤية لم تكن النفس مهيّأة له من قبل؛ نافذة تسمح للإنسان أن يرى ذاته من خارج خوفه، يرى الآخرين من خارج أحكامه، ويرى العالم من خارج الضوضاء التي ربّته وقيّدته.

في تلك اللحظة، يصبح الإدراك أوسع من الفكرة، ويغدو الشعور أصدق من الذاكرة. شيءٌ يشبه الانكشاف الهادئ يحدث: تتراجع الأصوات المبعثرة التي كانت تتحكم بتفاعلاته، وتتلاشى تلك الانفعالات التي كانت تسوقه بلا وعي نحو ردود فعل متكررة. فيحلّ محلّها صفاء غريب، يتيح له أن يختار بدل أن يُدفع، وأن يرى بدل أن يُحجب، وأن يفهم بدل أن يُثار. وكأن القلب يتسع فجأة ليتحمّل ما لم يكن قادرًا على حمله طوال العمر، وينفتح العقل على مسافات لم يكن يدرك أنه قادر على السفر إليها.

إنها اللحظة التي يكتشف فيها الإنسان أنه ليس سجينًا لحدوده، وأن المساحة الأعمق منه كانت تنتظر فقط أن تتنفس. لحظة يتحوّل فيها الوعي إلى شاهدٍ حيّ على أن الداخل أكبر من الخارج، وأن الروح أرحب من العالم، وأن ما كان يظنه نهاية هو في الحقيقة بداية طاقة جديدة تتشكل كما يتشكل الفجر بعد ليلٍ طويل.

 

التحرر: حين ينزل النور من الرأس إلى الحياة اليومية

ليس ارتقاء الطاقة لحظة صوفية عابرة تُختبر في لحظات التأمّل ثم تنطفئ. إن ما يُسمّى بفتحة التاج لا يكتمل إلا حين ينساب نورها من أعلى الرأس إلى أدقّ تفاصيل الحياة اليومية، فيحوّل العادة ويفكّ الثِّقل ويبدّل طريقة العيش من أساسها. عندها يبدأ الإنسان يدرك أن التجربة الداخلية التي ظنّها مجرّد لحظة صفاء، ما هي إلا ولادة جديدة لأسلوب حياة كامل.

فمع كل خيط نور ينزل إلى الداخل، تتغيّر طريقة اتخاذ القرار، إذ يصبح القرار أكثر نقاءً وأقلّ ارتجافًا أمام الخوف. وتتحوّل طريقة الحب من رغبة في الامتلاك إلى رغبة في الفهم والاحتواء. ويصير الغفران فعل قوة لا فعل ضعف، لأن القلب حين يتنوّر يعرف أن العفو ليس تنازلًا بل تحرّرًا من حمل قديم. وحتى الألم يُعاد النظر إليه؛ فلا يعود خصمًا يُقاتَل، بل رسالة تُقرأ. وحين تشتعل الصراعات الداخلية، لا تعود طاقة هادمة، بل تصبح وقودًا للصعود، مادة خامًا تتحول من ضغط خانق إلى دفعة ارتقاء.

وحين يختبر الإنسان هذا التحوّل، يفهم أخيرًا أن الطاقة ليست ترفًا روحيًا يُمارَس على هامش الحياة، بل هي شرط من شروط البقاء في انسجام مع الذات. وأن الصعود ليس نهاية الطريق، بل بدايته الحقيقية: بداية حياة يُدار فيها العقل والقلب من مركز هادئ، تُرى فيها الأشياء بصفاء، ويُعاش فيها الوجود بوعي جديد، كأن النور الجديد لا يضيء الرأس فقط، بل يعيد صياغة الإنسان من الداخل إلى الخارج.

 

التكامل: حين يصبح الإنسان هو الصولجان نفسه

وعند اكتمال الرحلة، لا بمعنى النهاية، بل بمعنى أن الدائرة بلغت لحظة تجلّيها، يكتشف الإنسان أن الصولجان الذي كان يتأمله لم يكن رمزًا معلقًا خارج ذاته، ولا حكمة أُلقيت إليه من عالمٍ غامض، بل كان انعكاسًا دقيقًا لهيكله الداخلي. فالقلب هو العصا المركزية، ذلك الجذر الثابت الذي يقف عليه الوجود كله بلا اضطراب. والعقل والعاطفة هما الثعبانان الصاعدان، يلتفّان حول محور القلب في حركةٍ لا تنافس فيها بل تآلفٌ عميق، يرتقيان معًا، يشتبكان حينًا ويتناغمان حينًا آخر، حتى يصلا إلى تكاملهما الذي يفتح للإنسان أبواب بصيرة جديدة. 

وفي تلك اللحظة يصبح الإنسان السالك هو الطريق وهو المسير وهو المقصود؛ هو الباحث عن النور وهو الممر الذي يعبر منه النور وهو النور ذاته حين يتوازن ويتوهَّج. تتصالح فيه الأرض بوزنها والسماء بخفّتها، فلا يعود كائنًا يعيش فوق السطح يتأرجح مع الرياح، بل كائنًا يقيم في العمق حيث تتجذر المعاني. يصير إنسانًا لا تهزّه الظلال، بل يخلق الضوء الذي يبدّدها، ولا يقف منتظرًا حكمة تأتيه، بل يوقظ الحكمة الراقدة منذ البدء في سرّ روحه، وكأن الرحلة كلها كانت لتذكيره بما كان كامناً فيه منذ أول نفَس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى