الزيادة على الرواتب والحدّ الأدنى للأجور في لبنان: خطوة إنقاذيّة أم معالجة ظرفيّة؟

بقلم هيام كساسير
مع اقتراب لبنان من عام 2026، لا يزال يعيش تداعيات الانهيار الاقتصادي الذي بدأ منذ أكثر من خمس سنوات، وأدّى إلى انهيار غير مسبوق وتآكل الرواتب والمعاشات بنسبة تفوق 90% من قدرتها الشرائية. وفي محاولة للحدّ من الانعكاسات الاجتماعية لهذا الواقع، اتخذت الحكومة سلسلة قرارات تقضي برفع الحدّ الأدنى للأجور في القطاع الخاص وزيادة معاشات العاملين في القطاع العام والمتقاعدين. غير أنّ السؤال يبقى مطروحًا: هل تشكّل هذه الخطوة بداية مسار إصلاحي، أم أنّها ليست أكثر من تدبير ظرفي لتنفيس الغضب الشعبي؟
أقرّت الحكومة رفع الحدّ الأدنى للأجور في القطاع الخاص إلى مستويات تتلاءم نسبيًا مع موجات التضخم المتلاحقة، كما فتحت اعتمادًا إضافيًا لتمويل زيادات على معاشات المتقاعدين في القطاع العام. هذه الخطوة جاءت استجابة للحاجة الملحّة إلى حماية الشرائح الأكثر تضررًا، وخاصة أصحاب الدخل الثابت الذين لم يعد دخلهم يغطّي حتى الحاجات الأساسية.
مبرّرات الزيادة: أولوية اجتماعية واقتصادية
- حماية القدرة الشرائية
الزيادات السابقة لم تعد تكفي للصمود أمام الارتفاع المتواصل للأسعار. وبالتالي، أصبحت الزيادة الجديدة ضرورة اجتماعية وليس مجرد قرار إداري. - حماية الفئات الأكثر هشاشة
المتقاعدون والعمال ذوو الدخل المحدود يعتمدون بالكامل على رواتب ثابتة غير قادرة على مجاراة انهيار الأسعار. الزيادة تُعدّ آخر خطوط الدفاع أمام تدهور أوضاعهم المعيشية. - الحدّ من الانهيار الاجتماعي
في ظل غياب شبكة حماية اجتماعية شاملة، تأتي هذه الخطوة كإجراء طارئ يهدف إلى التخفيف من موجات الهجرة، والفقر، وانهيار السلم الاجتماعي.
التحديات: خطوات مهمة لكن غير كافية
- غياب رؤية إصلاحية شاملة
أي زيادة في الأجور من دون خطة مالية واضحة وإصلاحات إدارية جذرية تضع الدولة أمام مخاطر إضافية، أبرزها توسّع العجز وارتفاع النفقات الجارية. - فجوة كبيرة بين الزيادة وكلفة المعيشة
على الرغم من الزيادات، ما زال الحدّ الأدنى بعيدًا عن الحدّ الأدنى الفعلي للمعيشة، ما يجعل أثره محدودًا وأحيانًا رمزيًا. - الضغط على القطاع الخاص
المؤسسات الصغيرة والمتوسطة المتعثّرة قد تجد نفسها عاجزة عن تحمّل الأجور الجديدة، ما يفتح الباب أمام الصرف التعسفي أو اللجوء إلى العمالة غير النظامية. - عدم شمول العاملين في الاقتصاد غير الرسمي
أكثر من نصف القوى العاملة في لبنان خارج أي حماية قانونية أو ضمانات، ما يجعل جزءًا واسعًا من العمال خارج دائرة الاستفادة من القرارات الجديدة.
ما المطلوب لتحويل الزيادات إلى حلول مستدامة؟
لكي تتحوّل هذه الخطوة إلى مسار إصلاحي حقيقي، لا بدّ من ربطها بسلسلة إجراءات بنيوية، أهمها:
إعادة هيكلة الإنفاق العام وتحسين الجباية من خلال مكافحة التهرب الضريبي.
إطلاق برنامج حماية اجتماعية موحّد وشامل للفئات الأكثر هشاشة.
العمل على ضبط سعر الصرف وتثبيت الاستقرار النقدي.
دعم القطاعات الإنتاجية لخلق فرص عمل فعلية ومستدامة.
إصلاح نظام التقاعد بما يضمن معاشات عادلة في القطاعين العام والخاص.
تشكل الزيادات على الأجور والمعاشات خطوة ضرورية في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ لبنان، لكنّها ليست الحلّ. فهي أشبه بـ«مسكن» لا يعالج جذور الأزمة. ما يحتاجه لبنان اليوم هو إطلاق إصلاحات بنيوية شاملة تعالج مكامن الخلل في النظام الاقتصادي والمالي، وتوفّر قاعدة صلبة لحماية العمال والمتقاعدين، وتحقيق العدالة الاجتماعية والاستقرار الاقتصادي قبل الدخول في عام 2026.



