عصام المساعيد: من هامش الجغرافيا إلى مركز التأثير

بقلم د. نضال العنداري
قراءة في مسار التكوين والقيادة والعمل المؤسسي والتحول نحو الاقتصاد والاستثمار
ليست كل السير التي تبدأ من بيئات محدودة الموارد تنتهي عند حدودها، فبعض التجارب الإنسانية تنجح في تحويل التحديات إلى دوافع للتغيير، والطموح الفردي إلى مشروع يتجاوز صاحبه نحو المجتمع ومؤسساته. ومن هذا المنطلق تبرز تجربة عصام إبراهيم غرير المساعيد، الذي ارتبط مساره بالعمل الشبابي والمجتمعي، وبناء المبادرات والمؤسسات، ثم التوجه نحو التنمية الاقتصادية والاستثمار وريادة الأعمال.
ولا تكمن أهمية هذه التجربة في تعدد محطاتها فحسب، بل في التحولات التي شهدتها، من السعي إلى المشاركة في الشأن العام إلى بناء المبادرات الجماعية، ثم توظيف الخبرة والعلاقات في مجالات الأعمال والشراكات. وهي رحلة تفتح باب التأمل في دور البيئة والتعليم والإرادة في تشكيل الشخصية القيادية، وفي قدرة الإنسان على إعادة تعريف طموحاته مع تغير مراحل حياته.

البدايات وصناعة الذات
تشكّلت البدايات الأولى للمساعيد في منطقة أم الجمال بمحافظة المفرق الأردنية، ضمن بيئة ارتبطت بتحديات اجتماعية واقتصادية ومسؤوليات أسرية مبكرة. وقد أسهمت هذه الظروف، بحسب مسار سيرته، في تنمية إحساسه بالمسؤولية وأهمية الاعتماد على الذات، ودفعته إلى البحث عن وسائل لتجاوز حدود الواقع الذي نشأ فيه.
ومنذ سنواته الأولى، اهتم بالقراءة والشعر والأنشطة التي تجمع بين الانضباط البدني والتطور الفكري، قبل أن تتسع اهتماماته لتشمل القانون والسياسة والاقتصاد وعلم الاجتماع. ويكشف هذا التنوع عن محاولة لبناء معرفة تتجاوز التخصص الواحد، وفهم المجتمع من زوايا متعددة، وهو ما يكتسب أهمية خاصة لدى من يطمح إلى العمل العام.
كما شكّلت دراسة القانون في جامعة البلقاء التطبيقية، ثم انتقاله إلى جامعة آل البيت، محطة مهمة في تكوينه، إذ أتاحت له الاقتراب من مفاهيم الحقوق والتشريعات وعلاقة المواطن بالمؤسسات. وكان طموحه المبكر إلى الوصول إلى مجلس النواب الأردني تعبيراً عن رغبة في المشاركة في صناعة القرار، قبل أن تتوسع أدواته نحو مجالات أخرى للتأثير.

من الطموح الفردي إلى العمل المجتمعي
مثّلت تجربة «فرسان التغيير» إحدى أبرز المحطات في مسيرة المساعيد، إذ نقلته من الاهتمام الفردي بالشأن العام إلى العمل الجماعي المنظم. فالمبادرات الشبابية لا تكتسب قيمتها من الفكرة وحدها، بل من قدرتها على جمع المتطوعين، وتحديد الأهداف، وتنظيم الجهود وتحويل الحماسة إلى نتائج ملموسة.
وقد تنوعت الحملات التي ارتبطت بالمبادرة بين المطالبة بالعدالة، والتوعية بالحقوق القانونية خلال جائحة كورونا، وتقديم المساعدات والعمليات الجراحية للأسر المحتاجة، والتوعية بمخاطر الجرائم الإلكترونية والابتزاز. وعلى اختلاف هذه المجالات، تلتقي تلك الأنشطة عند فكرة أساسية، هي تحويل القضايا المجتمعية من مجرد موضوعات للنقاش إلى فرص للمشاركة والعمل.
وتشير المعطيات الواردة في سيرته إلى توسع «فرسان التغيير» لتشمل نحو ثمانين ألف متطوع على مستوى المملكة، إلى جانب تنفيذ عشرات الحملات الوطنية. كما مثّل الانتقال إلى إطار مؤسسي مرخّص خطوة مهمة في تنظيم العمل وضمان استمراريته.
وتكمن دلالة هذه المرحلة في الانتقال من المبادرة المرتبطة بجهود الأفراد إلى المؤسسة التي تحتاج إلى هيكل إداري واضح، وتوزيع للمسؤوليات، وشراكات تضمن استدامة العمل. فالمؤسسة الناجحة هي التي تستطيع الحفاظ على رسالتها وتطوير أدواتها حتى مع تغير الأشخاص والظروف.

فلسطين والشراكات العربية
امتد العمل المجتمعي إلى قضايا عربية وإنسانية، وفي مقدمتها فلسطين، من خلال حملة «بوصلتنا فلسطين وتاجها القدس الشريف»، التي تزامنت بعدأحداث السابع من أكتوبر، وشملت أنشطة في جامعات أردنية. كما ارتبطت الجهود بمبادرات للتبرع بالدم والمساهمة في الأنشطة الإنسانية والطبية المتصلة بغزة والضفة الغربية، وفق ما ورد في مسار التجربة.
وتتجاوز أهمية هذه المبادرات حدود التعبير الرمزي عن التضامن، لتسلط الضوء على قدرة العمل الشبابي على تنظيم الجهود والاستجابة للقضايا الإنسانية. كما أن تنفيذ الأنشطة في الجامعات يتيح مساحة لإشراك الشباب في النقاش العام، وتعزيز مهاراتهم في الحوار والتنظيم وتحمل المسؤولية.
وفي مرحلة لاحقة، اتسع الاهتمام نحو الشراكات العربية والابتكار والتكنولوجيا. ومن أبرز المبادرات المرتبطة بهذا التوجه «قمة الابتكار والتكنولوجيا للشباب العربي لعام 2025»، التي تناولت موضوعات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي والأمن السيبراني والاقتصاد الرقمي.
ويعكس هذا التوجه اهتماماً بربط طاقات الشباب بالتحولات الاقتصادية والتكنولوجية، حيث لم يعد دورهم مقتصراً على المشاركة في الأنشطة المجتمعية، بل أصبح يشمل الاستعداد لاقتصاد يتزايد اعتماده على المعرفة والابتكار والمهارات الرقمية.
غير أن القيمة الحقيقية لهذه المبادرات تبقى مرتبطة بقدرتها على تجاوز الفعاليات المؤقتة نحو بناء شراكات مستدامة تربط الجامعات بالشركات والمستثمرين والمؤسسات، وتحول الأفكار إلى مشاريع قابلة للتطبيق.

من العمل العام إلى الاقتصاد والاستثمار
يمثل انتقال المساعيد نحو تطوير الأعمال والاستثمار مرحلة جديدة في مساره، ويمكن قراءته بوصفه تحولاً في أدوات التأثير أكثر من كونه تخلياً عن الاهتمام بالتنمية والمجتمع.
فالعمل السياسي والمدني يوفر مسارات للمشاركة في الشأن العام، بينما يتيح الاقتصاد أدوات أخرى للتغيير، من خلال خلق فرص العمل، وتحريك رأس المال، وتطوير المشاريع، وتعزيز النشاط الإنتاجي. ومن هنا تبرز أهمية تطوير الأعمال بوصفه مجالاً يجمع بين تحليل الفرص، وبناء الشراكات، وفهم الأسواق، والتواصل مع المؤسسات والمستثمرين.
وفي هذا الإطار، ارتبط مسار المساعيد بالاهتمام باستقطاب الاستثمارات، وتطوير الفرص الاقتصادية، وبناء العلاقات المهنية، إلى جانب ملفات التنمية المحلية والمدن الصناعية. وتكتسب هذه المجالات أهمية خاصة في المناطق التي تحتاج إلى تنويع نشاطها الاقتصادي، وتوفير فرص العمل، وتقليل الفجوات التنموية بين المحافظات.
فالاستثمار لا يقتصر على ضخ الأموال في المشاريع، بل يمكن أن يسهم في نقل المعرفة، وتدريب الكفاءات، وتحفيز المؤسسات الصغيرة، وبناء سلاسل توريد محلية. وتزداد قيمته عندما تتحول عوائده إلى فرص إنتاجية مستدامة يستفيد منها المجتمع إلى جانب المستثمرين.
ومن الممكن فهم الاهتمام بالتنمية المحلية في ضوء البدايات الشخصية للمساعيد، إذ تمنح معرفة تحديات المناطق محدودة الموارد زاوية مختلفة للنظر إلى أهمية توزيع الفرص الاقتصادية. ومع ذلك، يبقى الأثر الفعلي لأي تجربة استثمارية مرتبطاً بنتائجها القابلة للقياس، من حيث الإنتاج وفرص العمل والاستمرارية.

التعليم والابتكار وصناعة المستقبل
يشكّل التعليم بُعداً آخر في المسار المهني للمساعيد، من خلال اهتمامه بالمؤسسات الأكاديمية والقبولات الجامعية والمسارات التعليمية الدولية. ويعكس هذا التوجه إدراكاً لأهمية رأس المال البشري في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
فالجامعات ليست مجرد مؤسسات تمنح الشهادات، بل فضاءات لإنتاج المعرفة وبناء المهارات وتكوين الكفاءات التي يحتاج إليها الاقتصاد. وفي ظل التحولات المتسارعة في التكنولوجيا وسوق العمل، تصبح الشراكات الأكاديمية مهمة عندما تتيح فرصاً فعلية للتدريب والتبادل المعرفي وربط مخرجات التعليم بالاحتياجات المهنية.
كما تبرز أهمية الابتكار وريادة الأعمال في بناء جسور بين المعرفة والاقتصاد، من خلال دعم المشاريع الناشئة وربط أصحاب الأفكار بالمستثمرين والخبراء. ولا تتحقق النتائج بمجرد تنظيم المؤتمرات أو بناء الشبكات، بل تحتاج إلى متابعة عملية، وخطط واضحة، ومشاريع قابلة للتطوير والاستمرار.
ومن هنا تبدو الخبرة المتنوعة، بين العمل المجتمعي والتعليم والشراكات والاستثمار، ذات قيمة عندما تتيح فهماً أوسع للتحديات، وتساعد على الربط بين الجهات المختلفة. إلا أن تعدد المجالات يتطلب أيضاً وضوحاً في الأولويات، ومعرفة بحدود الاختصاص، واستعانة بالخبرات الفنية اللازمة لاتخاذ القرارات المناسبة.

القيادة بين الفرد والمؤسسة
تكشف رحلة المساعيد عن انتقال متدرج بين مستويات مختلفة من التأثير؛ من بناء الذات، إلى إطلاق المبادرة، ثم توسيع قاعدة المشاركة، وبناء المؤسسة، والانفتاح على الشراكات، وصولاً إلى توظيف الخبرة في التنمية الاقتصادية والاستثمار.
وتوضح هذه المراحل أن القيادة لا تقوم على الحضور الشخصي وحده، بل تحتاج إلى القدرة على تنظيم الجهود وبناء الثقة وتطوير الشراكات وتحويل الأفكار إلى نتائج. فالعلاقات المهنية قد تفتح الأبواب، لكنها لا تضمن النجاح ما لم تقترن بالكفاءة والتنفيذ والمتابعة.
ومن هنا، فإن التحدي في المرحلة المقبلة لا يتعلق بتوسيع نطاق الأنشطة فحسب، بل ببناء منظومات قادرة على تحويل العلاقات إلى مشاريع، والمبادرات إلى برامج مستدامة، والفرص إلى قيمة اقتصادية واجتماعية واضحة.
وفي هذا السياق، يشير التوجه نحو تأسيس «شبكة إيليت للأعمال» في الأردن إلى الاهتمام بإنشاء منصة تجمع المهنيين والمستثمرين ورواد الأعمال. ويمكن لمثل هذه الشبكات أن تسهم في تبادل الخبرات وتطوير الشراكات، متى استندت إلى أهداف واضحة ومخرجات قابلة للتقييم، وتجاوزت حدود التعارف والعلاقات العامة إلى التعاون المنتج.

من تجاوز الواقع إلى صناعة الأثر
إن سيرة عصام إبراهيم غرير المساعيد، كما تتبدى من محطاتها المختلفة، ليست مجرد قصة انتقال من بيئة محدودة الموارد إلى فضاءات أوسع من الحضور والتأثير، بل هي تجربة في تطور مفهوم الدور نفسه؛ من بناء الذات إلى العمل الجماعي، ومن المبادرة إلى المؤسسة، ومن المشاركة المجتمعية إلى الاهتمام بالاقتصاد والاستثمار والابتكار.
وتكمن الدلالة الأهم في القدرة على إعادة تعريف النجاح مع تغير المراحل. فما بدأ طموحاً سياسياً اتخذ لاحقاً أشكالاً متعددة من العمل العام، ثم اتجه نحو توظيف العلاقات والخبرات في ميادين التنمية والأعمال. ويعكس هذا التحول أهمية التعلم المستمر وتطوير الأدوات وعدم حصر التأثير في مسار مهني واحد.
ومن منظور أوسع، تطرح التجربة سؤالاً يتجاوز صاحبها إلى الشباب العربي: كيف يمكن تحويل الطموحات الفردية إلى مؤسسات قادرة على الاستمرار؟ وكيف يمكن للعمل التطوعي أن يتطور نحو مبادرات إنتاجية؟ وكيف يمكن توظيف الخبرة المجتمعية في بناء فرص اقتصادية من دون فقدان الصلة باحتياجات الناس؟

إن الإجابة تبدأ بالإرادة، لكنها لا تكتمل إلا بالمعرفة والتنظيم والإنجاز. فالمكان الذي يولد فيه الإنسان قد يرسم نقطة انطلاقه، لكنه لا يحدد بالضرورة سقف طموحه، والظروف الصعبة قد تفرض قيوداً حقيقية، لكنها لا تلغي إمكان بناء مسارات جديدة.
وهكذا، فإن الانتقال من هامش الجغرافيا إلى مركز التأثير لا يتحقق بمجرد توسيع شبكة العلاقات أو تعدد المناصب، بل بالقدرة على تحويل التجربة إلى معرفة، والمعرفة إلى مبادرة، والمبادرة إلى مؤسسة، والمؤسسة إلى أثر مستدام يشعر به المجتمع. وبين البدايات والطموحات، تبقى قيمة أي مسيرة قيادية في ما تستطيع أن تضيفه إلى حياة الآخرين وإلى مستقبل المجتمع.



