دروز سوريا… بين مجد الثورة ومأساة الإبادة

بقلم الدكتور نضال العنداري
حين يُنسى أصحاب الأرض، ويتحوّل التاريخ إلى نداءٍ لا يُسمع
في جنوب سوريا، حيث تنام الجبال على ضوء الشمس، وتنهض القرى على وقع الدعاء والصبر، هناك شعبٌ يُدفن الآن لا تحت التراب، بل تحت الصمت. شعبٌ اسمه بني معروف، لم يطلب يومًا امتيازًا، ولم يرفع يومًا رايةً فوق راية الوطن، بل اختار أن يعيش بكرامة، في وطنٍ واحد، لا يُقسَّم ولا يُباع، ولا يُدار بالعصابات.
في أرضٍ عرفت أسماءً كقُنوات، وعرمان، وشهبا، وظهر الجبل… الأرض التي مشى عليها التاريخ بوقار، وسُقِيت بعرق الشيوخ والنساء والفلاحين… تُداس اليوم بلا رادع، وتُحاصر بلا خجل، وتُهجّر أهلها دون أن يرمش للعالم جفن.
ما يحدث في السويداء اليوم ليس حادثة أمنية عابرة، ولا أزمة مؤقتة. إنه استهداف ممنهج لشعبٍ بأكمله، عملية إبادة صامتة تُنفّذ بلا قنابل، بل بالحِصار، بالتجويع، بالإذلال، وبإطلاق يد عصابات تمّت شرعنتها سياسيًا، ثم أُطلقت لتفعل ما لا تجرؤ عليه حتى الأنظمة المباشرة. عصاباتٌ تلبس ثوب الدولة، لكنها لا تعرف إلا القهر، ولا تُجيد إلا تمزيق ما تبقّى من أمان.
المأساة ليست فقط في ما يحدث، بل في صمت العالم الذي بات يُتقن فنّ التحليل، ويتجنّب المسؤولية. السويداء تُحاصر، ولا أحد يُدين. شعبٌ يُخنق، ولا أحد يتحرّك. تُقطع الكهرباء والماء والدواء والغذاء، في أكبر مهزلة إنسانية تُرتكب بغطاء “الشرعية”، تحت سمع وبصر الجميع.
وفي قلب هذا الجرح، هناك ذاكرة تُستباح. ذاكرةٌ تُذكّرنا أنّ بني معروف لم يكونوا يومًا في موقع المتفرّج. حين حاول الاستعمار تقسيم سوريا، خرج من هذه الأرض سلطان باشا الأطرش، لا ليُدافع عن طائفته، بل عن كل الوطن. ثار ضد الفرنسيين ليحمي وحدة الأرض، وكرامة الناس، دون تفريق بين مذهب أو منطقة. كانت ثورته لأجل سوريا الواحدة… فهل يُعقل أن تُكافأ هذه الأرض اليوم بالخذلان؟
من لم يركع للمستعمر، لن يركع الآن. لكن الصبر له حدود. والسكوت عن هذه الجريمة لم يعد محايدًا، بل بات شراكة ضمنية في الظلم. هؤلاء ليسوا أرقامًا في تقارير، بل أرواحًا تحلم بالبقاء، ببيتٍ آمن، بطريق بلا عصابات، وبغدٍ لا تشوبه الميليشيات.
شعب بني معروف لا يُطالب بالسلطة، ولا يُهدّد أحدًا. بل يطالب فقط بحق الحياة، وبحماية دولية تُنهي فوضى العصابات التي تحكم بالسلاح والتجويع. يطالب بمراقبة أممية، بمساءلة حقيقية، وبوقف تغاضي القوى الكبرى التي منحت “شرعية” لنظام لم يعد يحمي حتى أضعف أبنائه.
إن كان في العالم بقايا ضمير، فالسويداء اليوم هي اختبارٌ له. وإن بقيت هذه المأساة في الظل، فاعلموا أن ما يحدث هناك، قد يُعاد في مكان آخر… بصمتٍ أشد، وبأرواحٍ جديدة تُدفن دون صوت.
بني معروف… أسياد الأرض لا الرعايا
الدروز في سوريا ليسوا أقليةً هامشية كما يُحبّ البعض أن يُصوِّرهم في تقارير أو نشرات رسمية تُعاني من قصر الذاكرة. هم أبناء الجبل، سلالة الشجاعة المتوارثة، وحُماة الأرض الذين كتبوا أسماءهم على وجه الصخر لا على حبر الورق. لم يكونوا يومًا طامعين في سلطة، ولا طارئين على الجغرافيا، بل كانوا دائمًا في قلب الهوية السورية، في طليعة من صاغوا ملامح هذه البلاد لا من تبعوها.
لا يمكن الحديث عن تاريخ سوريا، أو عن استقلالها، أو عن كرامتها، دون أن ينهض صوت سلطان باشا الأطرش من ذاكرة الأرض. ذلك الشيخ الجليل، الذي لم يكن زعيم طائفة، بل زعيم وطن. حين حاول الاستعمار الفرنسي تقسيم سوريا طائفيًا، خرج من جبل العرب سنة 1925 لا ليُفاوض على حدود، بل ليكسرها. لم يرفع السلاح دفاعًا عن “الدروز” فقط، بل عن سوريا بكاملها، مسلمين ومسيحيين، بدوًا وحضرًا، أقليات وأكثريات… لأنّ الوطن لا يُجزّأ إلا في عقل الطامعين.
حين وقف سلطان باشا الأطرش أمام رجال فرنسا، لم يُفاوضهم على منطقة حكم ذاتي، ولا على حصة سياسية، بل قالها صريحة: “الدين لله والوطن للجميع.” بهذا الشعار، أسّس لمرحلة من النضال لا تقوم على الولاء الطائفي، بل على الشرف الوطني، وأطلق ثورة لم تكن “درزية”، بل كانت “سورية” بامتياز. ثورة لم تُصنَّف بحسب الهوية المذهبية، بل بحسب عمق الإيمان بأنّ الأرض لا تُباع، والشعب لا يُركَّع.
واليوم، بعد أكثر من قرن على تلك اللحظة المضيئة من تاريخنا، يحقّ لنا أن نسأل العالم، وأن نسأل السوريين أنفسهم: من بقي حاملًا لتلك الراية؟ من لا يزال يؤمن بأنّ الدين لله، والوطن للجميع؟ من يقف في وجه مشاريع التقسيم، كما فعل سلطان؟
أليس من المخزي أن يتحوّل أحفاد الثورة إلى شعبٍ محاصر؟ أن يُجَوَّع من قال “لا” للاستعمار، فقط لأنّه لم يرضَ بالخضوع لعصابات الداخل؟ أن يُقتل من حمَى الوطن بالأمس، لأنّه رفض أن تُداس كرامته اليوم؟ إنّ ما يحدث مع بني معروف ليس فقط جريمة سياسية، بل خيانة تاريخية لما مثّلوه يومًا من وحدةٍ ونزاهةٍ وعنفوان.
في جبل العرب، لا تُقاس القيم بعدد السكان، بل بثقل الدم الذي سُفك من أجل الوطن. وفي الذاكرة السورية، لا يُوزَّن التاريخ بعدد المقاعد النيابية، بل بعدد المرات التي وقف فيها الدروز مع سوريا، لا مع مصالحهم. لذلك فإنّ استهدافهم اليوم ليس فقط انتهاكًا لحقوق جماعة، بل انتهاك لمرآة الوطن نفسه.
فمن يحمل اليوم راية سلطان؟
من يقف اليوم حيث كان الجبل واقفًا؟
ومن سيكتب غدًا فصلًا جديدًا… لا بالخنوع، بل بكرامة الأرض التي لا تُشترى؟
من الثورة إلى المأساة: الجبل محاصر من جديد
لم يعد الخطر في السويداء يلوح من خلف الحدود، بل ينهض من الداخل، متخفّيًا خلف أقنعة رسمية وأختام وطنية. ما يُمارَس اليوم في الجبل ليس غزوًا عسكريًا، بل تفكيكٌ بطيء لمعنى الكرامة. الحصار لا يُفرض بالدبابات، بل يُحاك بخيوط الجوع، وبقطع الماء، وبإغلاق الأفران والصيدليات، وبإطلاق يد العصابات لتنهش النسيج الاجتماعي باسم القانون.
هذه ليست أزمة أمنية طارئة، ولا فراغًا عابرًا في الإدارة. إنها خطة مُمنهجة، تهدف إلى تطويع شعبٍ بأكمله عبر أدوات التجويع، والتخويف، والترهيب. أُغلقت الأفران، قُطعت المياه، مُنع الدواء، وانتشرت العصابات كأنيابٍ تنهش ما تبقّى من أمنٍ وكرامة. شباب يُختطفون، نساء يُذلّلن، شيوخ يُضربون في بيوتهم… وكل ذلك تحت أعين كاميرات العالم الذي يراقب بصمت، ولا يتحرّك.
الجبل الذي أنجب سلطان باشا الأطرش، الزعيم الذي رفض تقسيم سوريا وثار لأجل وحدة الأرض والشعب، يجد نفسه اليوم محاصرًا ليس من قِبَل جيوش أجنبية، بل من أطراف محلية تُمعن في إذلاله. الفرق فقط أن القنابل تبدّلت بحصارات اقتصادية، والسجون استُبدلت بعتمات الخطف، والسلاح صار بأيدٍ ميليشيوية، لا قانونية.
ما يجري اليوم في السويداء يُعيد طرح السؤال الأكبر: هل المقصود هو كسر روح الجبل؟ هل المطلوب هو إخضاع هذا الشعب الذي لم يرضَ يومًا بالذلّ، لا في وجه الاستعمار، ولا في وجه السلطويات الحديثة؟ هذا ليس انزلاقًا عشوائيًا، بل هجوم على الهوية والكرامة والاستقلال الداخلي.
إننا أمام إبادة من نوع جديد. ليست إبادة جسدية فقط، بل إبادة تُمارَس على مستوى الهوية والذاكرة، عبر خنق كل مقوّمات الحياة الكريمة، وفرض واقع من الفوضى المسلحة، يُراد له أن يُطبع في وعي الجيل الجديد كأمرٍ طبيعي.
الجبل لا يستسلم.
لكن أن يُترك وحيدًا، فذلك هو الظلم الحقيقي.
السكوت عن هذه الانتهاكات يُحوّل المجتمع الدولي من مراقب إلى شريك غير مباشر في الجريمة.
من الثورة التي أطلقتها السويداء في وجه المستعمر الفرنسي، إلى الحصار الذي يخنقها اليوم بأيدٍ داخلية ومُسلحة، تتكرر المأساة… لكن هذه المرة، لا يُرافقها شرفُ المعركة، بل عارُ الصمت.
الصمت العالمي: الجريمة لا تكتمل إلا برضا المتفرّجين
في زمنٍ يتباهى بعصر “العدالة الدولية” و”حقوق الإنسان”، يصبح الصمت أحيانًا أبشع من السلاح. فما يحدث اليوم في جبل العرب، وفي قلب محافظة السويداء السورية، ليس مجرد أزمة تُرصد من بعيد، بل جريمة مكتملة الأركان تُرتكب تحت مرأى ومسمع العالم… والعالم صامت، أو أسوأ من ذلك: لاهٍ.
أين الأمم المتحدة، التي تُنشئ بعثات لحفظ السلام في كل رقعة من العالم؟ أين مجلس الأمن، الذي يُفترض أن يُفعّل فصول التدخّل الإنساني حين يُذبح المدنيون؟ أين جامعة الدول العربية، التي تتفاخر بأنها صوت الشعوب في مواجهة الطغيان؟ أين هم جميعًا من شعب تُقطع عنه المياه، يُمنع عنه الخبز، يُحاصر طبيًّا وغذائيًا، وتُفتح عليه أبواب الفوضى والعنف باسم النظام… وتحت عباءة الدولة؟
ثم، أين أولئك الذين يرفعون شعارات العدالة صباحًا ومساء؟ أين الأصوات التي تهتزّ لأجل معاناة الشعوب إذا كانت الكاميرات قريبة، أو إذا كانت مصالحهم مهدّدة؟ هل باتت إنسانيتنا انتقائية إلى هذا الحد؟ هل يُقاس الألم بعدد المتابعين على وسائل التواصل، أو بتأثير الضحية في معادلات المصالح الدولية؟ وهل صار موت الدروز، أبناء الجبل، “قضية غير مثيرة” لأنهم لا يملكون ميليشيات، ولا يطالبون بحصص سياسية، بل يريدون فقط أن يعيشوا بكرامة على أرضهم؟
الصمت حيال ما يحدث في السويداء اليوم ليس حيادًا، بل اصطفاف في صف الجريمة. إنه تواطؤ ناعم، يتخفّى خلف البيانات العامة، والقلق الدبلوماسي، والانتظار البيروقراطي. وكل لحظة تُترك فيها هذه القرى لمصيرها، وكل ساعة يتأخر فيها التدخل الإنساني الحقيقي، هي بمثابة توقيع على نفي هذا الشعب من الخريطة الأخلاقية للعالم.
لا نُبالغ حين نقول إن السكوت خيانة. خيانة للعدالة، للضمير، وللقيم التي يفترض أن يتشاركها البشر مهما اختلفت أعراقهم أو عقائدهم. إن ترك السويداء تواجه مصيرها وحدها، هو نزعٌ مُتعمد لأبسط حقوق الإنسان: الحق في الحياة، في الكرامة، في الأمان.
وما من جريمةٍ تكتمل… إلا برضا المتفرّجين.
وما من ظالمٍ يتمادى… إلا حين يرى العالَم أعمى.
النداء الأخير: لا تُعيدوا مأساة التاريخ على من كتبوه
بني معروف لم يكونوا عبئًا يومًا على سوريا. بل كانوا الدرع والسيف والموقف .لم يرفعوا راية غير الوطن، ولم يخونوا عهد التعايش.
فلا تُكافَأ هذه الوفاء بالإبادة.
إننا لا نكتب لنشعل فتنة، ولا لنستجدي تعاطفًا عابرًا. نحن نكتب لأننا نؤمن أن في هذا العالم لا يزال هناك ضمير. نكتب لأن التاريخ لن يسامح أحدًا. لأن صوت سلطان باشا الأطرش لا يزال يصدح من قلب الجبل:
“من يهن يسهل الهوان عليه”.
ونحن لا نُهان.
لنرفع الصوت لأجل من صمت عنهم العالم.
لنُطالب بالحماية لا بالتمييز، وبالعدالة لا بالانتقام.
لأن سوريا التي حلم بها سلطان، لا مكان فيها للإبادة… بل للحياة.



