خاص MDM News

أمل سليمان: حين تصبح الثقافة وعدًا يُنجز لا شعارًا يُرفع

بقلم د. نضال العنداري

 

لا تُقاس القيادة بحجم المنصب، ولا تُختبر بكمية الظهور، بل تتجلّى في أسمى صورها حين يستطيع الإنسان أن يُحوّل المناسبة إلى رسالة، واللحظة العابرة إلى أثرٍ دائم. القيادة الحقيقية لا تصرخ كي تُرى، ولا تُشاكس كي تُصغي، بل تمضي بهدوءٍ راسخ، تنحت الطريق وهي تمشي، وتترك وراءها ملامح لا تُنسى. وبهذا المعنى، تسير أمل سليمان، رئيسة مهرجان كايل الدولي، لا بصفتها مجرّد منظّمة لحدثٍ ثقافي، بل كصاحبة مشروعٍ روحيّ – فكريّ، يتوغّل في العمق، ويحفر أثرًا لا يُمحى في ذاكرة المشهد العربي.

بين صخب المهرجانات التي تُشبه العروض المتكرّرة، يبرز حضور أمل كحالة استثنائية لا تتورّط في الزينة، بل تُراهن على الجوهر. لا ترفع شعار القيادة في صفحات الدعوة، بل تمارسها في كواليس التنظيم، وفي صمت الاختيارات، وفي حرصها أن يُصبح كلّ عنصر في المهرجان – من بطاقة الدعوة إلى آخر حرف في كلمة الختام – جزءًا من منظومة قيم تُبنى لا لتُعرض، بل لتُغرس.

منذ ولادة مهرجان كايل، لم تُرد أمل له أن يكون نسخةً مكرّرة من المهرجانات التي تستهلك الطقوس وتُنتج الضجيج. بل أرادته مختبرًا حيًّا، تلتقي فيه الأفكار كما تلتقي الألوان في لوحة لم تكتمل بعد. مكانًا تنصهر فيه الاستدامة مع الفنّ، والبيئة مع الذوق، والريادة الاقتصادية مع الرسالة الجمالية. لذلك لم تكن كل دورة مجرّد احتفال، بل كانت بمثابة طبقة جديدة في البنية المعنوية للكيان الثقافي الذي كانت تنحته برهافة وإصرار.

أمل لم تتعامل مع المهرجان كمنصة لتكريم النجوم وحسب، بل كبنية قابلة للنموّ والتحوّل، كبذرة تزرعها ثم تُشرف على تشكّل جذورها في وعي الجمهور، في حضور الإعلام، في حركة المجتمع. ولذلك، بدا «كايل» في كل دورة وكأنّه مدينة تتنفّس: مدينة لها معمارها الرمزي، وشوارعها البصرية، وسكّانها من الفنانين، والمبدعين، والضيوف الذين لا يشعرون بالغربة، بل وكأنّهم عادوا إلى وطنهم الأصلي… وطن الذوق والرقيّ والرسالة.

إنّ ما تفعله أمل سليمان هو أنّها تُحرّر الفعل الثقافي من ابتذاله المناسباتيّ، وتُعيد له جوهره كفعلٍ تأسيسيّ. فالمهرجان عندها ليس مجرّد استعراضٍ للمكرّمين، بل عملية متكاملة من الاستماع والحوار والتجريب. وعبر هذا النهج، يتجاوز «كايل» فكرة “الحدث” نحو مفهوم “البيئة الثقافية”، حيث يُعاد ترتيب العلاقة بين الفنّ والمجتمع، بين الذاكرة والطموح، بين التكريم والتطوير.

ولعلّ سرّ فرادة هذه التجربة يكمن في كون أمل لا تُقارب مشروعها بعقلية الترويج، بل برؤية التأسيس. فهي لا تُبهر الجمهور بكمّ الحضور أو بلمعان الأسماء، بل تبني هيكلًا غير مرئيّ من القيم والاختيارات الدقيقة، يجعل كل تفصيل في المهرجان مرآةً لمستوى راقٍ من الحِسّ الثقافي، والمسؤولية الاجتماعية، والقدرة على استبصار ما هو قادم.

وبين دورةٍ وأخرى، لا تتكرّر أمل، بل تُعيد اكتشاف ذاتها، وتُعيد صياغة المهرجان بحسب روح اللحظة التاريخية. مرّة يكون تركيزها على المدينة المستدامة، ومرّة على الذكاء الاصطناعي، ومرّة على المسؤولية المجتمعية… لكنّ الثابت الوحيد في هذه التحوّلات هو التزامها الصادق بأن تكون الثقافة مساحةً للوعي، لا للزينة، ومنصّةً للمعنى، لا للمبالغة.

وهكذا، حين ننظر إلى «كايل» من الخارج، قد نراه مهرجانًا أنيقًا يكرّم النجوم. لكن حين نقرأه من الداخل، نكتشف أنّه مسعى عميق لتجديد صورة الثقافة العربية المعاصرة، عبر أنامل امرأة تُتقن التنسيق لا فقط في الديكور، بل في القيم، وفي الأحلام، وفي إيقاع الضوء.

منذ اللحظة الأولى التي أبصرت فيها فكرة مهرجان كايل النور، لم تتعامل أمل سليمان معه كحدثٍ ترفيهيّ عابر يمرّ في تقويم الفعاليات ثم يُنسى، بل نظرت إليه ككيانٍ حيّ يُمكن أن يُربّى، ويُصقَل، ويُبنى لبنةً لبنة، حتى يغدو كيانًا ثقافيًّا له وجهٌ، وله نَفَس، وله حضور في وجدان الناس لا يُشبه سواه. كانت ترى أنّ مهمة التكريم لا تنحصر في لحظة التصفيق، بل تمتدّ إلى ما بعد الحدث: إلى الأثر الذي تتركه المنصة في قلب كل فنان، وفي وعي كل ضيف، وفي ذائقة كل متلقٍّ حضر ليشهد لا فقط على الجوائز، بل على كيف يمكن للجمال أن يُبنى على أساسٍ من المسؤولية.

ولهذا، اختارت أمل منذ البدايات أن تجعل من «كايل» مختبرًا ثقافيًّا حيًّا، مساحة تجريب لا تُقيّدها القوالب الجاهزة، ولا تُرهبها مقاييس السوق الضاغطة. كان المهرجان – برؤيتها – أشبه بمسرح داخلي تُجرى عليه محاولات تجديد العلاقة بين الفنّ والمجتمع، بين الأداء والوعي، بين الاحتفال والانتماء. وفي هذا المختبر، لا تكون الاستدامة شعارًا بيئيًّا يُعلّق على الجدران، بل تصبح روحًا تنظّم العلاقة بين الفنّ والزمان والمكان والوجدان.

لقد عرفت أمل منذ البداية أنّ بناء مهرجان ناجح لا يكون بالميزانيات فقط، ولا بتكثيف الدعاية، بل بخلق هندسة تفاعلية بين المحتوى والقيم. لذلك، حرصت على أن يكون كايل منصّة تتلاقى فيها رؤى روّاد الأعمال مع أحلام الفنانين، في مزاوجة نادرة تُعيد التوازن بين الفكر العملي والرؤية الإبداعية. لم تكن هذه المعادلة سهلة، لكن أمل كانت تؤمن أنّ الفنّ لا يكتمل إلا إذا تلاقى مع مسؤوليته المجتمعية، وأنّ الرأسمال لا يصبح فاعلًا إلا إذا نزل من برجه العاجي وشارك في صياغة الجمال العام.

كل دورة من دورات المهرجان كانت بمثابة محطة تحوّل لا تكرار. لم يكن هناك قالب يُعاد نسخه، بل كانت كل نسخة تُصاغ على ضوء المرحلة، وعلى قياس اللحظة، ووفقًا لنبض المدينة التي تستضيفها. فكما تتجدّد المدن في عمرانها وفي ناسها، كانت «كايل» مدينة رمزية تتجدّد بهويّتها، تُعيد تشكيل وجهها من خلال ثيمات متغيّرة وقضايا ملحّة وأسماء ذات حضور نوعيّ.

وهكذا، لم يكن التطوير عند أمل مجرّد تحسين شكلي، بل كان عملية عضوية تُشبه نموّ الأشجار، بطيئًا لكنه متين، صامتًا لكنه مُثمر. كانت تُطوّر «كايل» لا كحدثٍ موسميّ، بل كـ”كائن ثقافيّ” له تاريخه، وطباعه، وحقّه في التبدّل، ومعركته ضدّ التحوّل إلى روتين. كان المهرجان معها يتحوّل عامًا بعد عام إلى مدينة داخل المدينة، تُقيم علاقات غير مرئية بين الزائر والمكان، بين الضيف والرسالة، بين الجمال والجدوى.

ليس «كايل» مهرجانًا فنيًّا وحسب، ولا يُمكن اختزاله في جدول حفلات أو قائمة مكرّمين. فهو في جوهره تجربة وجودية مصغّرة، تُعيد للإنسان حسّه الجماليّ وسط عالمٍ يُسرع في كل شيء وينسى أن يتأمّل. إنّه مرآة شفّافة تنعكس فيها أصداء الروح، وفسحة يطلّ منها العالم العربي على احتمالاته الأجمل، عبر خطاب غير صاخب، ولكنه عميق، وحضور غير سلطوي، لكنه مؤثّر.

لقد نجحت أمل سليمان في أن تخلع عن المهرجان ملامح النمطية، وأن تمنحه وجهًا آخر، وجه المدينة المتحرّكة لا الجمود المؤسسي. تلك المدينة التي لا تُبنى من الإسمنت بل من الأفكار، ولا تُرسم بالمخططات بل بالأحلام، ولا تُضاء بالمصابيح بل بالشغف. وهكذا تحوّلت كل دورة من دورات كايل إلى خريطةٍ حيّة، تتشكّل فيها المعاني على هيئة ضيوف، ولقاءات، ومساحات تُنصت فيها المدينة لصوت الفنّ والروح معًا.

كانت رؤية أمل تقوم على تفكيك العلاقة الكلاسيكية بين “المُضيف” و”الزائر”. فالضيف في كايل لا يُعامل بوصفه نجمًا عابرًا على السجادة الحمراء، بل كشريكٍ في صناعة الأثر، وصوتٍ في جوقة المعنى، ومكوّن حيّ من مكوّنات المشهد الثقافي. ولذلك، فإنّ كلّ من حضر إلى «كايل» – سواء أكان فنانًا، أو إعلاميًا، أو رجل فكر، أو طفلًا في عرضٍ مدرسي – خرج وهو يشعر بأنه كان جزءًا من شيء حقيقي، نابض، ومتجاوز لفكرة التسلية.

ولا ترفع أمل صوتها لتُمارس القيادة، ولا تُشير إلى نفسها بوصفها “العقل المدبّر” أو “الاسم الأكبر”، بل تمارس كل ذلك برهافة تشبه نسج الخيوط على قماش الحرير. فهي تؤمن بأنّ القيادة الثقافية لا تُفرض، بل تُشعّ، وأنّ الكاريزما لا تُستورد من الخارج، بل تُستمدّ من قدرة الداخل على الاستماع، على التنظيم، على التوجيه غير المباشر.

هذا المستوى من الإدارة الصامتة والفعالة، لا يأتي صدفة، ولا يتكرّر كثيرًا في المشهد الثقافي. لأنّه يتطلّب وعيًا مزدوجًا: وعيًا بالحاضر واحتياجاته، ووعيًا بالناس وتباين مشاربهم، وعيًا بالجمال من دون الوقوع في فخّ الاستعراض، وعيًا بالحساسية السياسية والاجتماعية لكل كلمة، وكل إيماءة، وكل تكريم.

ولذلك، حين نشاهد مهرجان «كايل» وهو يتحرّك بسلاسة بين القاعات واللقاءات، بين الحفل والمنتدى، بين الموسيقى والفكر، لا نرى فقط تنظيمًا ناجحًا، بل نُبصر أثر امرأة تنسج مدينةً صغيرة من الانتماء المؤقّت، ثم تدعونا أن نؤمن بأنّ لحظات التجمّل الجماعي ما تزال ممكنة، بل ضرورية.

قد يتوافد النجوم على كثير من المسارح، وقد تُرفَع صورهم في شتّى المناسبات، لكنّ التكريم ليس دائمًا فعل اعتراف. ففي كثير من المهرجانات، يُصبح التكريم طقسًا مفرغًا من الجوهر، يُستهلك في الإضاءة، ويتبدّد مع تصفيق الجمهور. لكن في «كايل»، كما تصنعه أمل سليمان، يأخذ التكريم وجهًا آخر: وجه الوفاء للمعنى، لا للضوء، ووجه الاعتراف بالتأثير، لا بالشهرة العابرة.

وحين نقول إنّ أسماءً مثل مروان خوري، ووليد توفيق، وجورجينا رزق، وعلاء زلزلي، وغيرهم، حضروا كضيوف شرف، فإنّ ما يُميّز ذلك ليس أسماءهم، بل الطريقة التي أُعِيد تقديمهم بها. لم يكونوا أيقونات على مسرح، بل سِيَرًا حيّة تمشي بين الناس، يُحكى عنها لا بوصفها أحداثًا بل ظواهر شعورية صنعت أثرًا في الوجدان العربي. ولذلك، لم يكن التكريم لحظة تصوير، بل لحظة قراءة: قراءة في ذاكرة الناس، في الأغنية التي صاحبت الود، في الموقف الذي ثبّت كرامة، في البصمة التي تجاوزت الإعلام وبقيت في الوجدان.

كانت أمل تُشرف بنفسها على كيف يُكرَّم الضيف، لا فقط متى وأين. فكل تفصيل – من الكلمة التي تُلقى، إلى الفيلم القصير المعروض، إلى هدية التكريم – لا يُنتج على عجل، بل يُصاغ بدقّة. لأنّها تدرك أن التكريم، إذا لم يُصنَع بذوق، يُصبح مجرّد إحصاءٍ للجوائز. أما عندها، فهو فعل إحياء: تُعيد للناس الاتصال بتاريخهم العاطفي مع الفنان، وتُعيد للفنان الإحساس بأنّ مسيرته ليست أرقامًا بل مشاعر، ليست حفلات بل ذكريات ناس.

وفي موقفٍ رمزيّ يختصر هذه الرؤية، حين تأخّر طيران أحد الضيوف، لم تتردّد أمل سليمان في الاعتذار العلني باسم الفريق، أمام الإعلام والجمهور، في لحظة صدق نادرة في هذا الوسط. لم تُخْفِ الخطأ، ولم تُجمّله، بل واجهته برقيّ وشفافية، معتبرة أنّ التكريم لا يُفرّق بين ما على المسرح وما وراء الكواليس. فالقيمة الحقيقية – في رأيها – لا تُصان بالمظاهر، بل تُحترم بالصدق، وبإعطاء كلّ شخص مكانته من غير تصنّع ولا تزلّف.

إنّ ما قامت به أمل سليمان هو تحرير لفعل التكريم من سلطة المجاملة، وإعادته إلى مقامه الجوهري كفعل أخلاقي–ثقافي. لا تكرّم النجم لأنّه معروف، بل لأنّه باقٍ في الشعور الجمعي. لا ترفع الجائزة كأداة دعائية، بل تضعها في يد من يستحقّ، بوصفها شكرًا صامتًا باسم الجمهور كلّه.

وهكذا يصبح «كايل» في كل دورة، لا منصّة فقط، بل محرابًا رمزيًّا تُضاء فيه شموع الامتنان، وتُعلّق فيه القيم التي لا تظهر في الشاشات: كرم الوفاء، عدالة التقدير، وذكاء الذوق.

 

 

ما فعلته أمل سليمان خلال أكثر من عقد من القيادة الثقافية الفعليّة، لا يُقاس بعدد الحفلات ولا بأسماء المكرّمين، بل بمقدار ما استعادته من جوهر الضيافة العربيّة الأصيلة، تلك التي لا تُقيم الاحتفال من أجل الصورة، بل من أجل المعنى. لقد أدركت، عن وعي عميق، أنّ المهرجان الذي لا يُنصت لنبض الناس، يتحوّل سريعًا إلى صالة استعراض، أما الذي يفتح أذنيه لقلب المدينة، فإنه يُصبح مجلسًا، ومأوى، ومساحةً لشفاء العاطفة الجماعية.

ولذلك، نزعت عن المهرجانات تلك القشرة التي تُغلّفها بالمجاملات الشكلية والتكريمات الاستهلاكية، وأعادت إليها روح “المضافة”، حيث يُكرّم الزائر بإكرامه لا بإبهاره، ويُحتفى بالمحتوى لا بالمبالغة، ويُصغى للفنان لا فقط يُصفّق له. لقد أرادت لكل دورة من دورات “كايل” أن تكون مجلسًا ثقافيًّا مفتوحًا، يتّسع لكل أطياف الوجود الإنساني، من النخبة إلى الشارع، من النجم المعروف إلى الطالب الذي يخطو أوّل خطوة في طريقه.

في هذا المجلس، تُفسَح المساحة للضيوف كما تُفسَح للأطفال. يُقدَّم ذوو الهمم كنجوم لا كـ”فقرات خاصة”. تُخصص ورش عمل لا لتملأ الوقت، بل لتُشعل الحوار. يُدعى الإعلام لا ليُغطّي فقط، بل ليُشارك في إنتاج الدلالة. إنها لا تدير برنامجًا، بل تُنسّق إيقاعًا ثقافيًّا تناغميًّا، تُوزَّع فيه الأدوار بعناية أخلاقية قبل أن تكون احترافية.

وفي زمنٍ باتت فيه “التنمية المستدامة” شعارًا يُكرَّر دون تطبيق، بادرت أمل إلى دمج المبادرات البيئية والاجتماعية داخل بُنية المهرجان نفسها، لا بوصفها إضافة بل كجزء من رسالته. فالمهرجان ليس فقط فسحة للفنّ، بل أيضًا مساحةٌ لتربية الذائقة المسؤولة، ولفتح العيون على أن الجمال الحقيقي هو ما يخدم الأرض، ويحترم الاختلاف، ويُشجّع على العطاء لا على الاستهلاك.

وحين يكون «كايل» قادرًا على استقبال فنانين كبار ومؤسسات ضخمة ومبادرات شبابية وروّاد أعمال، في وقتٍ واحد، دون أن يفقد توازنه، فذلك لأنّ أمل لم تنظر إليه كمسرح، بل كـ”نسيج اجتماعي-ثقافي”، تُصاغ تفاصيله برويّة. ليس هنالك عنصر فائض، ولا مشاركة رمزية. كل ما يُعرض له وظيفة، وكل من يُشارك له مكانة. هكذا تكون الضيافة فعلًا شعوريًّا–مؤسساتيًّا، لا مجرّد واجب.

لقد أعادت أمل تعريف فكرة المهرجان: من مساحة للعرض إلى مساحة للاحتواء، من لحظة جماهيرية إلى لحظة مجتمعية. جعلت منه مدينة مصغّرة، فيها أماكن للتعبير، وجدران للعرض، وممرات للحوار، وحدائق للفرح، وأبواب مشرّعة لأطياف الحضور كافة. وبهذا، لم تعد «كايل» مجرّد مهرجان يُقام، بل تجربة تُعاش، وتُنتظر، وتُتوارث، وتتحوّل إلى ذاكرة سنوية حيّة تعيد للعرب إحساسهم بأهمية اللقاء الحيّ في زمن الشاشة.

 

في الأسماء ما يُشبه البدايات الخفيّة، وكأنّ بعضها لا يُطلق اعتباطًا، بل يُختار ليكون شيفرةً رمزية لسيرةٍ ستُكتب لاحقًا. واسم “أمل”، في حالة أمل سليمان، ليس مجرد علمٍ يُنادى به، بل هو حالة شعورية تمشي على الأرض، تتجسّد في الأفعال، وتتكثّف في القرارات، وتُترجم كل يومٍ في طريقة النظر إلى الثقافة كأداة بناء نفسي واجتماعي ووطني.

لكن أمل، كما عرفها من عمل معها ومن اقترب من مشروعها، ليست شخصًا يعيش على الأمل كعبارة عاطفية، بل تصنع منه استراتيجية ناعمة للمقاومة: مقاومة التبسيط، التسليع، الفوضى، والتكرار. ففي عالمٍ يُربكُه التسارع وتُضعفه التناقضات، قرّرت أن تكون صبورة. وفي بيئةٍ تنهشها الفردية، اختارت أن تبني فريقًا. وفي مناخٍ يُغري بالمظاهر، راهنت على العمق.

لا تبتسم بعد العرض لتُعبّر عن ارتياحٍ تقليدي، بل لأنّها تُجيد قراءة ما لا يُقال. فهي لا تحتفل بنجاح اللوجستيات، بل تسأل الأسئلة الأخلاقيّة:

هل تغيّرت نظرةُ الجمهور إلى الفن؟
هل شعر الأطفال أنهم مرئيّون؟
هل اختبر أحدهم لحظة كرامة غير مسبوقة؟
هل خرج فنانٌ كان في الظلّ وهو يشعر أنّ العالم أخيرًا رآه؟
هل بكت أرملة وهي تُكرَّم عن زوجها المبدع؟
هل انتبه أحد إلى أنّ ذوي الهمم لم يكونوا فقرة عابرة بل حضورًا فاعلًا؟
هل أدرك الجميع أنّ الثقافة ليست شعارًا بل علاقة تُبنى بين الإنسان ومعناه؟

 

بهذه الروح، تتحوّل أمل من اسمٍ شخصيّ إلى رسالة جماعية. ومن امرأةٍ تُدير مهرجانًا إلى صوتٍ داخليٍّ في المشهد الثقافي العربي، يُذكّرنا بأنّ المؤسسات قد تنهض بالإدارة، لكنّها لا تزدهر إلا بالقيم. قيمٌ تشبهها: رصينة، صامتة، دؤوبة، تحسن الإصغاء، وتتقن التوقيت، وتؤمن بأنّ أجمل الفنون تلك التي تُحرّك الساكن في القلب قبل أن تملأ عدسات الكاميرا.

في سيرة أمل سليمان ما يُشبه الخيط الذي لا ينقطع، بين رؤية تُصاغ، وحلم يُدار، ومهرجان يُعاش، وأمل لا يُطفَأ.

وهكذا، حين نكتب عنها، لا نكتب عن “رئيسة” فحسب، بل عن ذاكرةٍ ثقافية حيّة تمشي بيننا، تُربّي الذوق، وتُهذّب الفكرة، وتوسّع الخيال، وتُعيد للضوء مكانته كنعمة، لا كلعنة سريعة الزوال.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى