ميشال ضاهر… صانع المنصّات وواهب الضوء

بقلم د. نضال العنداري
حين تتحوّل التكريمات إلى هوية ثقافية
ليس النجاح أن تتسلّق هرم النجومية، بل أن تبنيه لغيرك؛ وليس التأثير أن تتصدّر الواجهة، بل أن تصنع لها إطارًا يليق بمن يُكرَّم فيها. هكذا يبدو الدكتور ميشال ضاهر، لا كمن يقف تحت الأضواء، بل كمن يصنعها بذكاء، ويمنحها معنى. ومن بين ضباب السياسة والأزمات المتكررة، ارتأى هذا الطبيب أن يُقيم محرابًا من نوع آخر: منصّات يحتفي فيها بالمنجز، ويوقظ عبرها ذاكرة الناس تجاه الجَمال، والعطاء، والتفرّد.
يختار الدكتور ميشال ضاهر أن يعمل من خلف الكواليس، حيث يكمن التأثير الحقيقي، وحيث لا تُقاس القيمة بعدد الصور أو وهج التصفيق، بل بما يُزرع في الوجدان من أثر باقٍ. ولعلّ أعظم ما أنجزه هو إعادة تشكيل طقس التكريم في الوعي العربي، منتقلاً به من كونه مناسبة موسمية للاحتفاء العابر إلى كونه لغة تقدير راقية، تُنصت للجهد، وتُضيء القيمة، وتحتفي بالإنسان في عمقه لا في مظهره. فالميدالية لديه ليست مجرّد درعٍ يوضع على رفّ، بل شهادة معنوية تُنصف حياة، وتُطلق ذاكرة جديدة لحكايات تستحق أن تُروى، وتُحفظ.
في مشروعه، لا يهم من يقف على الخشبة فقط، بل من خدم الفن من الكواليس، من زرع بذور الجمال في صمت، من كافح في الظلّ ليمنحنا لحظة ضوء. فكرمُ ميشال ضاهر ليس في التكريم وحده، بل في إعادة تعريف من يستحق أن يُكرَّم. وهذا، بحد ذاته، ثورة هادئة في زمن الاستهلاك السريع لكل شيء… حتى القيم.
هو الطبيب الذي قرأ وجع الناس، فداواهم بما هو أبعد من الطب: بالاعتراف، بالإضاءة، وبأنسنة الصورة. ومن هنا، لم يكن ما بناه مجرّد مهرجانات، بل مؤسسات للذاكرة، ومساحات رمزية تُحفظ فيها كرامة الجهد، وتُروى فيها سِيَر الكبار بصوتٍ جميلٍ وواضح.
من العيادة إلى السجادة الحمراء
انطلق الدكتور ميشال ضاهر من خلفية علمية طبية رصينة، أخصائيٌّ في زراعة الأسنان والتجميل، متفانٍ في مهنته، حريصٌ على أدقّ التفاصيل، كما لو أن الجمال الخارجي الذي يعالجه كل يوم كان مقدّمةً لمشروع أوسع: جمال داخلي يخصّ المجتمعات بأسرها. لكنّه، وفي لحظة وعي استثنائية، تجاوز إطار العيادة والمهنة نحو فضاء أكثر اتساعًا، حيث لا تُعالج الوجوه فحسب، بل تُنقّى الصورة الجماعية لما يعنيه النجاح، وما يجب أن يكون عليه التكريم.
لم يحصر طاقته في المسار الطبي، بل وسّعها لتصبح رسالةً ثقافية، وفعلًا رمزيًا يستنهض الذوق العام، ويُعيد الاعتبار لفكرة “الاحتفاء بالمُنجَز لا بالاسم.”
وكأنّه قرأ، بحدس الفنان والطبيب معًا، حاجة الإنسان العربي إلى منصة يُحتفى فيه لا بالسلطة، بل بالتميّز؛ لا بالشّهرة العابرة، بل بالأثر؛ لا بالمجاملات، بل بما يستحق أن يُسجّل في ذاكرة الناس بوصفه نجاحًا أصيلًا.
من هذا الوعي، وُلدت مشاريع رائدة، تحمل توقيعه لكن تُخاطب وجدان الأمة:
• مهرجان بياف – BIAF (Beirut International Awards Festival): مرآة بيروت التي ما زالت، رغم الرماد، تتقن فنّ اللمعان الحضاري.
• مهرجان ضيافة – DIAFA: احتفاء بالثقافة العربية من بوابة الإمارات، منصّة تصالح فيها الذوق مع الكرامة، والمجد مع المعنى.
• احتفالية إيما غالا – EMIGALA: استعراض للجمال الراقي، وللصناعة الإبداعية التي قلّما تجد اعترافًا علنيًّا بمبدعيها الحقيقيين.
هذه المهرجانات، على اختلاف توجهاتها، ليست حفلات جوائز تقليدية، بل مرايا جماعية تُعيد للثقافة العربية اعتبارها وسط الضجيج، وتمنح الفن والإنسان وجهًا ناصعًا يليق به. لقد أصبحت، بحضورها المنتظم والمُتقن، طقسًا سنويًا للامتنان الجمعي، تُرمّم عبره الذاكرة، وتُسترد فيه لحظات الكرامة من بين فوضى الانبهار الفارغ.
بياف… حين يتنفّس بيروت من نافذة تكريم
حين وُلدت فكرة بياف، لم يكن الزمان مؤاتياً. لبنان في أزمة سياسية واقتصادية، والانهيارات تعصف بالقطاعات. لكن الدكتور ميشال ضاهر، بإصرار نادر، قرر أن يُقيم احتفالية تشبه لبنان الذي نحبّه، لا لبنان الذي نعيشه.
في وسط العاصمة، على أنقاض الحمّامات الرومانية، صعدت السجادة الحمراء لتذكّرنا بأن هذا البلد كان، وما زال، بلد الفن والثقافة. المكرَّمون من مجالات شتى: طب، إعلام، فن، أدب، تصميم… يُنتقَون بعناية، لا حسب الولاء، بل حسب الإنجاز.
قالها ضاهر صراحةً: أنا لا أتدخّل في اختيار الأسماء، المصداقية تأتي من احترام الاستحقاق.
وبذلك، رسّخ نموذجًا جديدًا لمفهوم المهرجان: منصة تُنصت للجمهور، وتُعيد الاعتبار للّبناني في الداخل والخارج، وتقول له: أنت لست منسيًّا.
ضيافة… من بيروت إلى دبي
مع تصاعد الأزمة اللبنانية، لم يرضَ الدكتور ميشال ضاهر أن ينكفئ، بل وسّع الرؤية نحو العالم العربي، فأطلق مهرجان DIAFA في دبي، ليكون تكملةً لمسيرة الاعتراف بالتميّز.
و”ضيافة”، بما يحمله الاسم من أصالة عربية، بات يكرّم شخصيات عربية وعالمية بحضور ثقافي رفيع، يبتعد عن الابتذال ويقترب من الجوهر.
في إحدى دوراته، وُضع اسم نزار قبّاني كشعار للمهرجان، فدلّ على التوجّه الجماليّ الذي لا يُساوم على الذائقة.
وهكذا، لم تكن ضيافة فعالية مناسباتيّة، بل جسرًا من بيروت إلى دبي، ومن الفن إلى الفكر، ومن الجمال إلى القيمة.
إيما غالا… العبور إلى مشهد الأناقة
أما مشروعه الثالث EMIGALA، فكان نافذة مختلفة: تكريمًا لعوالم الموضة والجمال والتصميم.
ضاهر هنا لم يركّز على الأسماء اللامعة فحسب، بل منح المساحة للمبدعين من خلف الستار: المصممين، الخياطين، صانعي الإضاءة، فرق الإنتاج… وكأنّه أراد أن يقول إن كل لحظة إبهارٍ على المسرح تقف وراءها أيادٍ كثيرة تستحق التصفيق.
ومع مرور الوقت، باتت إيما غالا واحدة من أبرز المحافل التي تعترف بالجمال كقيمة مجتمعية، لا مجرد استعراض شكلي.
ما الذي يميّز مسيرة ميشال ضاهر؟
ليس عدد المهرجانات، ولا أسماء الضيوف، ولا حتى فخامة السجادة الحمراء، مع أنها جميعًا عناصر براقة في أي مشروع احتفالي. لكن ما يُميّز هذا الرجل حقًا هو الجوهر العميق الذي يحكم حركته، والرؤية الإنسانية–الثقافية التي تحرّك كل خطوة يخطوها، حتى حين يصمت في الكواليس.
1. الإيمان بالاستمرارية:
في زمن ينهار فيه كل شيء: الاقتصاد، المؤسسات، الثقة العامة، وحتى الحلم البسيط، أصرّ الدكتور ميشال ضاهر أن يبقى الضوء مشتعلاً، ولو على شمعة. لم يستسلم لمعادلة “انطفاء الوطن”، بل ردّ عليها بمنصة تقول: “ما زال في لبنان ما يُكرّم”. استمراره بتنظيم المهرجانات عامًا بعد عام، رغم التحديات المادية والسياسية، هو شهادة حية على إيمانه بأن الجمال شكل من أشكال المقاومة، وأن الذاكرة الثقافية لا يجوز أن تُفرَّط حتى لو ضاعت الدولة.
2. العدالة في الاختيار:
في بيئة تشتهر بالمحسوبيات والوجاهات الشكلية، اختار أن يكون استثنائيًا. سلّم مفاتيح التكريم إلى لجان مستقلة، إعلاميين، فنّيين، مثقفين، ليكونوا هم حراس المعيار. ورفض أن يتدخّل في الأسماء، لأن القيمة الحقيقية لأي تكريم تكمن في استقلاله، وفي نظافة معاييره. لقد فهم أن الشرعية الأخلاقية لأي منصة لا تُبنى بالديكور، بل بالمصداقية.
3. التكامل بين الجمال والمعنى:
لا يُدهشك ضاهر بمجرد بهرجة المشهد، بل بما وراءه. فكلّ مهرجان له روح، وكل أمسية تكرّم الإنسان لا الصورة فقط. الصورة عنده وسيلة لتمرير رسالة، لا غاية بذاتها. ولهذا، يختار الأماكن بعناية، الإخراج بإحساس، الضيوف بقيمة، ويُراعي أن يكون الحدث متكاملاً: جماليًا، سمعيًا، بصريًا، ومعنويًا. إنه يرفض أن يكون الاحتفال سطحًا خفيفًا، بل يريده عمقًا مبهجًا.
4. الانتماء إلى هوية مشرقيّة:
مهرجاناته لا تمثّل شخصه، بل تمثّل الذاكرة الثقافية لشعوب تحب الحياة رغم كل شيء. من بيروت إلى دبي، من السجادة الحمراء إلى الكلمة الموجّهة، هناك روح مشرقية واضحة: الكرم، الاحتفاء، الاعتراف، الامتنان، والرغبة في أن يُرفع شأن من يستحق. وهو بذلك يُعيد للمُنجَز العربي مكانته في الوجدان الجماعي، ويُصرّ على أن تكون التكريمات تعبيرًا عن انتماء لا عن استعراض.
إنها مسيرة لا تُقاس بعدد الجوائز المُقدّمة، بل بعدد القلوب التي شعرت أنها مرئية، مُعترَف بها، ومقدَّرة. وهذا… أعظم نجاح يمكن أن يُسجَّل باسم أي إنسان.
الختام: حين يصبح التكريم رسالة
في زمنٍ يتكاثر فيه الضجيج، وتعلو فيه الأصوات الفارغة، ويقلّ فيه الاعتراف الحقيقي بأصحاب البصمات الهادئة، يظهر الدكتور ميشال ضاهر كأحد أولئك الذين لا يرفعون الشعارات، بل يبنون المساحات. لا يقف خطيبًا على المنابر، بل يُنصت بعناية في الكواليس، ثم يُطلق الفعل: مهرجانًا، منصة، لحظة اعتراف… في زمنٍ بات فيه التكريم تجارة، أعاده هو إلى أصله: عربون امتنان، ووثيقة احترام.
يقوم بدور المثقف الجديد، لا ذاك الذي يكتب بيانًا في صحيفة، بل الذي يُقيم مشهدًا يُشبه وجدان الناس. لا يؤمن بالتنظير، بل بالفعل المُتقن. لا يبحث عن تصفيق الحشود، بل عن نظرة امتنان صادقة في عين مُكرَّمٍ طالما تجاهله الضوء. لقد بنى ثقافة تكريم تُعيد للإنسان اعتباره، لا لصورته فقط؛ تكريمًا يُحتفل فيه بالقيمة، لا بالنجومية؛ ويُقاس فيه التأثير بما قدّمه الإنسان للعالم، لا بما أخذه منه.
هو ليس مجرّد منظم مهرجانات… بل صانع ذاكرة جماعية تُكتب من خلال لحظة صعود على مسرح، يُنادى فيها باسم رجل أو امرأة، تقديرًا لعمر من الجهد، ولنبضٍ أضاء دون ضجيج.
هو واضع مرايا يرى فيها المجتمع انعكاساته الأجمل، ومهندسٌ لاحتفالات صامتة في جوهرها، صاخبة بمعناها، تقول لنا — دون أن ترفع صوتها: هكذا نُكرّم الكرامة، هكذا نحفظ الذاكرة، وهكذا نُضيء طريقًا اسمه التقدير.
ولأن الأمم تُبنى بالاعتراف لا بالنكران، وبالضوء لا بالتهميش، فإن ما يفعله الدكتور ميشال ضاهر، موسمًا بعد آخر، ليس سوى صيغة راقية من البناء الثقافي – الإنساني، حيث يُصبح التكريم فعل حبّ، لا مجاملة… ووعدًا بأننا، رغم كل شيء، ما زلنا نعرف من يستحق.



