العبادية تنادي الغائبين: ربيع، هاجر، ماجد

بقلم د. نضال العنداري
العبادية، البلدة التي اعتادت أن تنهض رغم الجراح، وتربّي في أولادها شرف الصبر وعزة الكفاح، انحنت هذه المرة أمام الحزن لا لتنهزم، بل لتبكي… تبكي كما لم تفعل من قبل. لأنّ بعض الأحزان لا يُحتمل، وبعض الفواجع لا يُستوعب، وبعض الغياب يُشبه الخسوف الكامل للقلب، فلا يبقى في الداخل سوى غصّة لا تموت، ودمعة لا تنام.
لم يختر الموت فردًا هذه المرة، بل اصطفى ثلاثةً من خيرة من أنجبتهم هذه الأرض. لم تكن المأساة خبرًا يُروى على عتبة صباحٍ عابر، بل زلزالًا شعوريًا ضرب كل بيتٍ في العبادية من الداخل، وحرّك من الأعماق وجعًا لم نعرف له مثيلًا. في كل زاوية من زواياها، وفي كل قلبٍ نابض بها، استيقظ حزنٌ جديد، وارتفع سؤال لا جواب له: كيف تحتمل بلدة واحدة هذا القدر من الغياب دفعةً واحدة؟ وكيف تُدفن ثلاثة وجوه مضيئة، كانت تمشي بيننا كأنها تنير الطريق، دون أن ترتجف الروح وترتعد الذاكرة؟
اختلط الذهول بالعجز، والدمع بالصمت، والقلوب بالقلوب. لم يكن الحزن هذه المرة مسألة شخصية، بل كان شعورًا جمعيًّا يشبه الصلاة حين تُؤدّى من قلب واحد. كأنّ الجميع بكى من موضعٍ واحدٍ عميق، وكأنّ البلدة بأسرها انكفأت على نفسها، تخبّئ وجعها في حجرٍ أو صدر، تبكي أبناءها لا بصوتٍ عالٍ، بل بأنينٍ داخليّ لا يسمعه إلا من عرف الحبّ الحقيقي.
فالثلاثة الذين رحلوا لم يكونوا مجرّد أسماءٍ على أوراق الهوية أو جوازات السفر، بل كانوا نبضًا حيًّا في تفاصيل الحياة اليومية للبلدة. كانوا الوجوه التي يُستأنس بها في الممرات، والخطوات التي تُؤمّن درب الأمل، والظلال التي تمدّ الحنان حتى في أقسى الفصول.
كانوا في حارات العبادية كما تكون الشمس في الأزقة القديمة: لا تُرى كلّها، لكنك تشعر بدفئها في كل زاوية. في مؤسساتها، كانوا اليد التي تبني دون أن تتباهى، وفي طموحات شبابها، كانوا المرايا التي تُظهر الإمكانات الخفية. في أمل شيوخها، كانوا كالوعد الذي لا يخلف، وفي ذاكرة مدارسها وملاعبها ودفاترها القديمة، كانوا الحبر الذي خطّ أجمل البدايات.
لم يغيبوا فجأة عن المشهد، بل انتُزعوا من نسيج الحياة، كأنما غاب عن البلدة قلبها، وضاع منها ضوءٌ كانت تتّكل عليه في عتمات الظروف. وإن كان الغياب قد سُجّل في السماء، فإن أثرهم سيظلّ حيًّا في الأرض، وفي كل زاوية مرّوا بها وتركوا فيها شيئًا من روحهم.
ربيع بشير زهر…
كان الاسم الذي يُقال بفخرٍ خالص في كل بيت من بيوت العبادية. ليس لأنّه فقط بطل عالميّ، حمل اسم لبنان في المحافل، ولا لأنه رفع الأعلام والكؤوس، بل لأنه فعل كل ذلك وهو يحمل تواضعًا لا يُدرّس، وأخلاقًا لا تُصطنع، ووجهًا لا يعرف الزيف ولا الزهو.
ربيع لم يكن نجمًا عابرًا في سماء الرياضة، بل كان قدوة تمشي على قدميها، تصافح الناس قبل أن تصافح المنصات، وتبتسم للقلوب قبل أن تبتسم للكاميرات. كان وجهًا نقيًّا في زمنٍ تعِب من الادّعاء، ورجلًا يمشي خفيفًا على الأرض، لكنه يترك أثرًا عميقًا في الأرواح.
نشأ من بيئةٍ متواضعة، ترعرع بين الناس، ومشى في طرقاتهم، وتنفّس من هواءهم، لكنّه صعد بنفسه، وارتقى بعصاميّته، وبنى اسمه كما تُبنى القلاع من الحجارة الصغيرة، حجراً فوق حجر، وجهدًا فوق جهد، دون أن يطلب من أحدٍ أن يصفّق، أو أن يُعلن عنه في الإعلام.
كان حين يُذكر اسمه، تُفتح القلوب وتُشرق الوجوه. لا أحد يتحدّث عن ربيع دون أن يذكر طيبته، وبسمته، وتواضعه. كان قريبًا من الجميع، لا يحمل كِبرًا، ولا يُبدي تعاليًا، بل كان واحدًا من أبناء البلدة الذين حملوها في القلب، ومثّلوها بأخلاقهم قبل إنجازاتهم.
لقد اعتاد الناس أن يروا الأبطال في الشاشات، يلمعون في صورة ويختفون بعدها، لكن ربيع كان بطلًا من نوعٍ آخر؛ بطلًا يعرف كيف يكون إنسانًا أولًا. كان بطولته لا تُقاس بالميداليات، بل بقدر ما ساعد، شجّع، دعم، ورفع غيره دون أن يُذكّرهم بذلك.
كم من شابٍّ في العبادية سار على خطاه؟ وكم من طفلٍ رأى في ربيع حلمًا يمكن أن يتحقق؟ وكم من شيخٍ دعا له لأنّه لم ينسَ أهله وأرضه يومًا؟
لم يكن نجاح ربيع ضربة حظ، ولا تسلّقًا على أكتاف أحد، بل كان نتيجة صدقٍ طويل، ومثابرة صامتة، وشغف لا يعرف التعب. كان يُدرّب جسده، نعم، لكنّه كان يُدرّب روحه أيضًا على الإخلاص، والنقاء، والبساطة التي لا تُمسّ.
وفي كل بطولة نالها، كانت العبادية تحتفل لا فقط بالإنجاز، بل بالروح التي جاءت معها؛ بالابن الذي لم تُغيّره الألقاب، ولم تبهره الشهرة، بل ظلّ كما هو: ربيع… ابن البلدة، وأخو الناس، وسند القريب والغريب.
ولم يكن غريبًا أن يُحبّه الجميع. كبارًا وصغارًا، رجالًا ونساء، يعرفونه بوجهه الطيّب، وبحضوره الذي لا يُثقل المجلس، بل يُنيره.
كان إذا حضر، شعر الجميع بالراحة، وإذا غاب، ترك فراغًا لا يُملأ.
وها هو اليوم، وقد غاب بالجسد، لكنّ حضوره صار أعمق. كأنّ الأرض لم تبتلعه، بل حفظته في صدرها ككنزٍ لا يصدأ، وكأنّ الذاكرة قد قرّرت أن تبقيه في الصفحات الأولى، لا في طيّات النسيان.
لقد رحل ربيع، لكنّه رحل كما يليق بالأبطال: في قلوب الناس، وعلى أكتاف الدعاء، وفي حكايات لن تتوقّف.
رحل، تاركًا خلفه سيرةً تُروى، وصورةً تُبكي، واسمًا سيُقال كلما تحدّثنا عن البطولة، عن النقاء، عن الوفاء، عن العزم الهادئ، وعن ذلك الشاب الذي لم يطلب شيئًا من الدنيا، لكنه أعطاها كثيرًا.
ربيع بشير زهر، ستبقى كما كنت: وجهًا مُشرقًا في ذاكرة البلدة، وسيرة طيّبة لا تغيب، ونورًا في قلوبنا حين يشتدّ علينا الليل.
رحمك الله، وجزاك عن كل بسمة، وكل خطوة، وكل فرحٍ زرعته في أرواحنا، وأرواح من أحبّوك دون أن يعرفوا لماذا… فقط لأنّك كنت نقيًّا، كما لا يكون الناس إلا نادرًا.
إلى جانبه، كانت السيدة هاجر عامر، زوجته، رفيقة دربه، ونصفه الآخر الذي لا يُرى في الصور، لكنّه حاضر في كل لحظة. كانت النعومة التي تُوازن القوة، والسكون الذي يُحيط بالحركة، والحبّ الذي لا يُقال، بل يُعاش كلّ يوم بصمت. هاجر، لم تكن فقط زوجته، بل ظله، وسنده، وذاكرته الثانية. وفي يوم الرحيل، رحلت معه، لا صدفة، بل قدرًا، وكأنّ بينهما عهدًا أزليًا… أن لا يفرّقهما شيء، حتى الموت.
أمّا ماجد حسن زهر، فكان صفحة مختلفة في كتاب الحياة، لم يُكملها الزمن، لكنّها ظلّت الأكثر جمالًا بين الصفحات.
كان يكتب بصمتٍ يشبه صلاةً لا يراها أحد، ويُمسك قلمه كما يُمسك العارف مسبحته؛ بخشوع، بحذر، وبمحبةٍ لا تشبه سواها.
لم يكن يكتب ليثبت نفسه، ولا ليصعد على منصّة، بل ليقول للناس إنّ الحرف يمكن أن يكون دواءً، وإنّ الكلمة قادرة على أن تُعيد الإنسان إلى إنسانيته.
كان يُؤمن أن الكتابة ليست مهنة، بل حالةُ حياةٍ لا تُطفأ، وأنّ الكاتب لا يملك أن يتوقف، لأنّ ما في داخله أكبر من الصمت.
وحين يكتب، كان يشبه من يُضيء شمعة في آخر الليل، ليهتدي بها آخرون، لا ليُرى هو في ضوئها.
كثيرون يكتبون، لكنّ قليلين فقط يملكون تلك القدرة على أن يسكبوا أرواحهم في السطور دون أن يشعر القارئ بثقل الادّعاء؛ وماجد كان أحد هؤلاء القليلين.
كان مشروعًا فكريًا ناضجًا رغم صِغر سنّه، يقرأ كما يتنفس، ويبحث كما يصلي، ويتأمّل كما يتكلّم الحكماء في لحظات الصفاء.
كان شغوفًا بالمعرفة، لا بمعناها الأكاديمي فقط، بل بالمعرفة التي تُحرّك القلب وتوقظ الضمير، تلك التي تجعل من الكتاب مرآة للنفس، لا مجرد صفحاتٍ تُقلب.
كلّ من عرفه، عرف فيه ذلك العمق الهادئ الذي يُغريك بالإصغاء، وتلك النظرة التي تحمل ما لا يُقال، وكأنّه كان يعيش بين العالمين: عالم الناس وعالم الأفكار.
لم يكن يُحبّ الشهرة، ولم يسعَ إليها، لأنّه كان أكبر منها.
كان يرى أن الكاتب الحقيقي لا يُقاس بعدد ما نشر، بل بمدى ما أضاءه في أرواح الآخرين.
ولذلك، لم يكن غريبًا أن يترك في قلوب أصدقائه وأهله مكانًا لا يُملأ، فكلّ من اقترب من فكره أو جلس معه لحظة، خرج بشيءٍ من السكينة، وشيءٍ من الدهشة، وكأنه خرج من لقاءٍ مع الزمن نفسه.
كان يخطّ أفكاره ببطءٍ يشبه التأمل، كمن يكتب على الماء، يخاف على الكلمة من أن تُجرَح، وعلى المعنى من أن يُبتذل.
وفي كل فكرةٍ كان يزرع شيئًا من ذاته، حتى غدت كلماته امتدادًا له، تسير في الناس بعد رحيله كأنها تُناديه من بعيد.
لم يُنجز كلّ ما أراد، نعم، لكنّه أنجز الأهم: أن يترك في قلوب من عرفوه يقينًا بأنّ العُمق لا يُقاس بالعمر، وأنّ الأثر لا يحتاج إلى زمنٍ طويل ليتجذّر.
ماجد كان المؤلف الذي لم يُكمل فصوله، لكنّ رحيله نفسه صار الفصل الأخير من كتابه؛ كتابٌ عنوانه الصدق، وصفحاته الوفاء، وسطوره الدمع النبيل.
رحل وهو في عزّ الحلم، لكن الحلم لم يمت، لأنّ الأرواح الكبيرة لا تنطفئ، بل تواصل الكتابة من وراء الغياب، حيث تكون اللغة نورًا لا حبرًا، والوجع صلاةً لا شكوى.
وهكذا، سيبقى ماجد حاضرًا، لا في كتبه فقط، بل في وجدان كل من آمن أن الكتابة ليست عملًا، بل حياة…
وأنّ الكاتب الحقيقي، وإن رحل، يبقى يسكن بين السطور التي كتبها، وبين القلوب التي فهمت لغته دون أن يُفسّرها.
لقد حملت هذه الحادثة من الألم ما يكفي ليعيد تعريف الفقد. فحين تفقد أمّةٌ رموزًا بثقل هؤلاء، لا تبكي فقط، بل ترتجف، وتعيد ترتيب ذاكرتها على مقاييس جديدة للغصة والوفاء. فالعبادية لم تفقد أبناءها الثلاثة فقط، بل فقدت روحًا تمشي، حلمًا كان يُصاغ، وعزيمة كانت تُبنى، وسكينة كانت تُربّي الأمل في البيوت الهادئة.
وهذا الحزن الجماعي، الذي لم يترك بيتًا في العبادية إلا وطرقه، ليس ككلّ حزن. إنه وجعٌ فريد من نوعه، وجعٌ يُعلّمنا أن المحبة لا تُقاس بالمدة، بل بالعمق. أن الفقد لا يُقاس بعدد الدموع، بل بمدى اتّساع الصمت بعده. وأن الذين يغادرون بصمت، قد يزرعون في قلوبنا أبدية من الذكرى لا تجفّ.
وفي لحظةٍ ما، حين يهدأ العزاء، وحين ينتهي الناس من البكاء، سيبقى في البلدة فراغ لا يُملأ، لأن الأرواح الجميلة لا تُعوّض، ولأن القامات الكبيرة لا يملؤها الزمان.
رحم الله ربيع بشير زهر، وهاجر عامر، وماجد حسن زهر. وأسكنهم في عليين. وربط على قلوب من يحبّونهم، ويشتاقون إليهم منذ الآن، كما لو مرّت سنون على الفقد.
رحلوا، نعم. لكن الذاكرة تحفظهم. والعبادية، وإن بكت اليوم بحرقة، فإنها ستظلّ تروي حكايتهم كما يُروى المجد، وكما يُروى الحنين، وكما يُروى الحبّ حين يصبح أبدًا.



