خاص MDM News

بين “برستيج” السلطة وصدمة الميدان: الامتحان الرسمي في لبنان… انتحار تربوي أم عناد سياسي؟

بقلم هيام كساسير


في وقتٍ تعيش فيه البلاد تحت ضغط أمني ونفسي كبيرين، يبدو القرار التربوي في لبنان وكأنه يُتّخذ في غرف مغلقة بعيدة تماماً عن الواقع. الأسئلة المشروعة والمؤلمة التي يطرحها الناس اليوم، وتحديداً الأهالي والطلاب، لم تعد مجرد عتب، بل تحولت إلى اتهام مباشر للمسؤولين بالتخلي عن جيل كامل. فهل تعيش وزارة التربية حقاً في “كوكب آخر” يبحث عن مظهر إداري فقط؟ وهل تحول الامتحان الرسمي إلى أداة سياسية لإعطاء صورة وهمية بأن “الدولة بخير” على حساب أعصاب الطلاب؟
العناد السياسي والهروب إلى الأمام
تُصر السلطة السياسية، ومن خلفها وزارة التربية، على فرض الامتحانات الرسمية كأمر واقع. هذا الإصرار لا يمكن فهمه، في ظل الظروف الحالية، إلا كحالة إنكار تام للواقع الإنساني والأمني، ومحاولة ضعيفة لتقديم صورة “استقرار مصطنع” للخارج والداخل على حد سواء.
إن محاولة فرض قرار لإجراء الامتحانات في ظل النزوح والقصف ليست حِفاظاً على المستوى التعليمي، بل هي محاولة لتحقيق “إنجاز شخصي” وسياسي بعيد كل البعد عن الحقيقة التي نعيشها.
وفي المقابل، فإن اتهام الأصوات التي تطالب بإلغاء الامتحانات أو إعطاء الإفادات بأنها “مجرّد كلام شعبي وسياسي” هو محاولة لتغطية الحقيقة؛ فالأزمة الحالية تجاوزت الحسابات السياسية الضيقة لتصبح قضية سلامة عامة وعدالة بين الطلاب.
يقف الواقع التربوي اليوم بمأزق كبير،
فالسكوت عن هذا الوضع، ومحاولة فرض امتحان موحد يجمع الطالب الذي تَهجّر من بيته وفقد مدرسته واستقراره، جنباً إلى جنب مع طالب آخر عاش عاماً دراسياً طبيعياً في مناطق آمنة، هو ظلم حقيقي لجيل كامل. هذا الإصرار على عدم مراعاة المناطق المتضررة أو إجبار طلابها على تقديم الامتحانات تحت الضغط يعاقبهم مرتين: مرة بالحرب والنزوح، ومرة بالحرمان من فرصة عادلة للنجاح. والنتيجة المؤكدة هي تخرج جيل يفتقد لأبسط المهارات والمعلومات التعليمية.
عقلية قديمة في زمن “التربية خلال الأزمات”
في الوقت الذي تركز فيه المنظمات الدولية بعد الأزمات العالمية على مفهوم “التربية في زمن الطوارئ”، أثبتت العقلية التي تدير الملف التربوي في لبنان أنها ما زالت متأخرة سنوات طويلة عن هذا التفكير المرن. فهي تتعامل مع الأزمة الحالية بعقلية إدارية جامدة تناسب أيام السلم والهدوء فقط.
لقد غيّرت الأنظمة التعليمية الأوروبية والفرنسية قوانينها لتصبح مرنة وسهلة في الأزمات، واعتبرت أن صحة الطالب النفسية والعدالة بين الطلاب أهم بكثير من المظهر الإداري للشهادة الرسمية. أما في لبنان، فالإصرار مستمر على الامتحان التقليدي المكتوب وسط النزوح والقصف، مما يثبت أن المسؤولين يعيشون في إنكار تام، متجاهلين أن “قيمة الشهادة” تسقط فوراً عندما تفقد إنسانيتها وعدالتها.
الصدمة النفسية والآثار بعيدة المدى على الطلاب
لا يمكن فصل قرار الامتحان عن التعب النفسي المتراكم الذي عاشه هذا الجيل. نحن نتحدث عن طلاب عاشوا انقطاعاً طويلاً أيام كورونا، ثم انهياراً اقتصادياً ومعيشياً صَعباً ضرب استقرار عائلاتهم، وصولاً إلى الحرب الحالية وحالة النزوح والخوف المستمر.
أن نطلب من هؤلاء اليوم الجلوس وراء مقاعد الدراسة لتقديم امتحانات تحدد مستقبلهم تحت الضغط النفسي وصوت المدافع، يعني أننا نضعهم أمام “صدمة تعليمية ونفسية” حادة. هذه الصدمة لن تنتهي بإعلان النتائج، بل ستمتد آثارها مع الطلاب إلى الجامعة، وتدمر ثقتهم بالدولة وبالتعليم ككل.
التوصية والحل: إفادات النجاح كخيار للنجاة أمام هذا الطريق المسدود، لم يعد التمسك بالامتحان المكتوب علامة قوة، بل بات تدميراً تربوياً كاملاً. في ظل هذا الواقع الصعب، تصبح التوصية بإعطاء إفادات نجاح عادلة ليست مجرد تراجع إداري، بل هي الطريقة الوحيدة لإنقاذ الطلاب والأهل معاً.
إن إعطاء إفادات النجاح في هذه الظروف الاستثنائية يضمن تحقيق نقاط أساسية ومهمة:
حماية الأمان النفسي والجسدي: إن إنهاء العام الدراسي بسلام يرفع عن كاهل الطلاب وعائلاتهم عبء الخوف والضغط العصبي الذي يعيشونه تحت خطر الحرب والتنقل والنزوح.
اعتراف بالواقع وليس استسلاماً: الإفادة هنا ليست تراجعاً عن التعليم، بل هي اعتراف شجاع بوجود “ظروف قاهرة وخارجة عن إرادتنا” منعت المساواة بين الطلاب، وتفضيلٌ لحياة الطالب ومستقبله على الأوراق والمعاملات الرسمية.
الحفاظ على التضامن بين الناس: بدلاً من تقسيم الطلاب بين من عاش في منطقة “آمنة” ومن عانى محروماً، تأتي الإفادة كقرار يجمع الجميع ويحمي جيل الحرب من الشعور بالظلم والتمييز، ويمنحهم فرصة متساوية للدخول إلى الجامعة.

إن الإصرار على الامتحان التقليدي وسط النيران والنزوح ليس دليلاً على هيبة الدولة، بل هو دليل على عدم قدرتها على ابتكار حلول أو التعاطف مع شعبها. عندما تصبح الشهادة الرسمية مصدراً للخوف والضغط على الطلاب المتعبين، فإنها تفقد قيمتها العلمية والأخلاقية. لقد حان الوقت لتغليب منطق الإنسانية وإصدار إفادات النجاح لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من هذا العام الدراسي، رأفةً بطلاب وأهالٍ يدفعون من صحتم وأعصابهم ثمن عناد لا فائدة منه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى