نور حليمة: مسار معرفي في دراسة الإنسان وتحولات الذات والقيادة

بقلم د. نضال العنداري
لا تُقاس قيمة المسيرة العلمية والمهنية دائمًا بحجم ما تجمعه من شهادات أو بعدد المجالات التي تعبرها، بل بقدرتها على إنتاج رؤية متماسكة تتجاوز حدود التخصص الواحد، وتحوّل المعرفة من مادة نظرية إلى وعيٍ قادر على قراءة الإنسان في تعقيداته المختلفة. ومن هذا المنظور يمكن فهم تجربة نور حليمة، التي تبدو، عند قراءتها للمرة الأولى، متعددة المسارات، لكنها تكشف عند التعمق فيها عن مشروع معرفي متصل، بدأ من دراسة النفس البشرية، واتسع تدريجيًا ليشمل الصدمة والعمل المجتمعي وريادة الأعمال والعلاقة بين العقل والجسد، وصولًا إلى القيادة التنظيمية. وبين هذه المحطات جميعًا ظل الإنسان موضوعها المركزي، لا بوصفه مفهومًا مجردًا، وإنما باعتباره كائنًا يتأثر بتجاربه وبيئته وعلاقاته، ويمتلك في الوقت نفسه قدرة مستمرة على التكيف وإعادة البناء والنمو.

بدأت هذه الرحلة بدراسة علم النفس في الجامعة اللبنانية الأميركية، وهي المرحلة التي أسست لاهتمامها العلمي بالسلوك والدوافع والعمليات النفسية التي تشكل التجربة الإنسانية. غير أن تكوينها لم يتوقف عند الإطار الأكاديمي التقليدي؛ إذ دفعتها تجربتها الحياتية والتنقل بين بيئات وثقافات مختلفة إلى إعادة النظر في الأساليب التي يمكن من خلالها مقاربة الإنسان وفهم إمكانات التغيير لديه. ومن هنا اتجهت إلى عدد من المجالات المتخصصة، فدرست العلاج التحويلي السريع، والتنويم الإيحائي، والبرمجة اللغوية العصبية، والذكاء العاطفي، كما تعمقت في العلاقة بين العقل والجسد والغذاء من خلال Mind-Body Eating Coaching. ويعكس هذا التنوع رغبة واضحة في بناء مقاربة أكثر تكاملًا، تنظر إلى الإنسان باعتباره منظومة مترابطة لا يمكن فصل مكوناتها النفسية والعاطفية والجسدية والاجتماعية عن بعضها البعض.

هذا الاتساع في الرؤية مهّد لانتقال اهتمامها إلى واحد من أكثر مجالات علم النفس تعقيدًا، وهو علم النفس العسكري وما يرتبط به من قضايا الصدمة والمرونة والصحة النفسية في البيئات عالية الخطورة. فدراسة الإنسان في الظروف الطبيعية تختلف جذريًا عن دراسة استجاباته حين يصبح الخوف أو النزاع أو الفقدان جزءًا من حياته اليومية، وحين تترك التجربة آثارها على الفرد والأسرة والمجتمع في آن واحد. ومن هذا المنطلق تابعت نور دراسة الماجستير في علم النفس العسكري، متعمقة في فهم العسكريين والمتأثرين بالنزاعات والنزوح والإصابات وعائلاتهم، وفي الكيفية التي يمكن أن تتشكل بها الصدمة النفسية، وكيف يمكن تطوير مقومات المرونة والتكيف في مواجهة الظروف القاسية.
وقد اكتسب هذا الجانب من تجربتها بعدًا تطبيقيًا مهمًا من خلال تعاونها مع الصليب الأحمر اللبناني في إعداد دليل عملي يساعد العاملين ومقدمي الرعاية على التعامل مع الأشخاص ذوي الإعاقة والإصابات وفهم احتياجاتهم بصورة أكثر وعيًا واحترامًا. وتمثل هذه التجربة نقطة مهمة في مسارها، لأنها نقلت المعرفة من الإطار النظري إلى المجال العملي، وأكدت أن الفهم الحقيقي للإنسان لا يتحقق من خلال الدراسة وحدها، بل من خلال القدرة على ترجمة المعرفة إلى سلوك وممارسة تحفظ كرامة الفرد وتراعي خصوصيته وتجربته.
ومن هنا اتسع اهتمام نور من فهم الإنسان إلى دعم قدرته على استعادة دوره داخل المجتمع. وجاءت مبادرة Neyla بوصفها امتدادًا لهذه الرؤية، إذ قامت فكرتها على مفهوم التمكين أكثر من مفهوم المساعدة المؤقتة. فقد ركز جانب أساسي من المبادرة على دعم النساء اللواتي لم تتوفر لهن فرص العمل والإنتاج، ومساعدتهن على توظيف مهاراتهن، ولا سيما في مجالات الكروشيه والأعمال الحرفية، بما يمنحهن فرصة لاستعادة الشعور بالإنتاج والاستقلال والمشاركة. كما امتد النشاط إلى مجالات التعليم والاحتياجات الطبية، مع اعتماد كبير على الإمكانات الشخصية والدعم المباشر للأفراد والعائلات. وتكشف هذه التجربة عن بعد اجتماعي واضح في فلسفة نور، يقوم على أن العمل الإنساني لا ينبغي أن يقتصر على تقديم العون، وإنما يفترض أن يساهم في استعادة قدرة الإنسان على الاعتماد على ذاته وعلى الإحساس بقيمته ودوره.

وفي موازاة اهتمامها النفسي والمجتمعي، دخلت نور مجال ريادة الأعمال من خلال تأسيس وإدارة مدرسة للموسيقى بين عامي 2018 و2019، وهي تجربة شكلت انتقالًا عمليًا من المجال المعرفي والإنساني إلى فضاء الإدارة والتنظيم والقيادة. فالعمل على تأسيس مشروع وإدارته يفرض نوعًا مختلفًا من التحديات، يتعلق بإدارة الموارد، والتعامل مع الأفراد، وتحمل المسؤولية، واتخاذ القرار، والموازنة بين الرؤية والواقع. ورغم أن جائحة كورونا أدت إلى إغلاق المدرسة، فإن التجربة بقيت جزءًا أساسيًا من تكوينها المهني، ليس فقط لما حققته خلال فترة عملها، وإنما لما أضافته من خبرة مباشرة في التعامل مع تعقيدات الواقع وتحولاته. ومن هذا المنظور، فإن توقف المشروع لم يكن نهايةً لمسار، بقدر ما كان تجربة أعادت تشكيل فهمها لمعنى النجاح والاستمرارية والقدرة على التكيف.
وفي السنوات الأخيرة، اتجه اهتمامها نحو جانب آخر من العلاقة بين الإنسان وذاته، تمثل في التعمق في العلاقة بين العقل والجهاز العصبي والجسد والتنفس من خلال SOMA Breath. ويشكل هذا الاهتمام امتدادًا طبيعيًا لرؤيتها التي ترفض الفصل الحاد بين الجوانب النفسية والجسدية، إذ أصبحت تركز على التنفس الإيقاعي والحركة والصوت والوعي بوصفها ممارسات يمكن أن تساعد الفرد على تنمية قدرته على ملاحظة حالته وتنظيم استجاباته وتعزيز الاتصال بذاته. ومن المهم هنا أن هذه الممارسة، في تصورها، لا تحل محل الطب أو العلاج النفسي المتخصص، وإنما تأتي بوصفها أداة إضافية ضمن منظومة أوسع للعناية بالإنسان، تنطلق من فكرة أن الجسد ليس مجرد وعاء للنفس، بل شريك أساسي في التجربة الإنسانية وفي عملية الوعي والتنظيم الذاتي.
ومع تراكم هذه الخبرات، لم يعد اهتمام نور مقتصرًا على الفرد بوصفه وحدة مستقلة، بل انتقل إلى البيئة التي يعيش ويعمل فيها، وإلى الطريقة التي تتفاعل بها الشخصيات الفردية داخل المؤسسات. ومن هنا جاءت دراستها للدكتوراه في القيادة التنظيمية، التي تمثل في سياق مسيرتها امتدادًا منطقيًا أكثر من كونها انتقالًا إلى مجال جديد. فالمنظمة، في جوهرها، ليست مجرد هيكل إداري أو مجموعة من الإجراءات، وإنما نظام بشري تحكمه العلاقات والثقة والدوافع وأنماط التواصل والثقافة المؤسسية.

ولذلك تصبح القيادة، في معناها الأوسع، عملية تتصل بفهم الإنسان بقدر ما تتصل بالإدارة واتخاذ القرار. إن القائد يؤثر في المناخ الذي يعمل فيه الأفراد، وفي مستوى شعورهم بالأمان والانتماء، وفي قدرتهم على التعاون والتطور، الأمر الذي يجعل دراسة القيادة التنظيمية امتدادًا طبيعيًا لمسار طويل بدأ أصلًا من محاولة فهم السلوك الإنساني.
وهكذا تتشكل في تجربة نور حليمة منظومة معرفية تتقاطع فيها تخصصات وممارسات قد تبدو للوهلة الأولى متباعدة، لكنها تصبح أكثر وضوحًا حين تُقرأ ضمن إطار واحد. فدراسة علم النفس قدمت الأساس العلمي لفهم السلوك، وعلم النفس العسكري وسّع هذا الفهم إلى مناطق الصدمة والضغط، والعمل المجتمعي نقل المعرفة إلى مستوى التأثير الاجتماعي، وريادة الأعمال أضافت إليها الخبرة العملية في الإدارة والقيادة، بينما فتحت ممارسات التنفس والجسد زاوية أخرى للنظر إلى التنظيم الذاتي، ثم جاءت القيادة التنظيمية لتجمع هذه الرؤية في مستوى أوسع يتناول الإنسان داخل المؤسسة والمجتمع.
إن أهمية هذه المسيرة لا تكمن في تعدد الشهادات والتخصصات بحد ذاته،

وإنما في الطريقة التي تحولت بها هذه الخبرات إلى رؤية متكاملة. فالتعلم، بالنسبة إلى نور، يبدو عملية تراكمية لا تقوم على إلغاء ما سبق، بل على إعادة تفسيره في ضوء ما يأتي لاحقًا. ولذلك لا تبدو انتقالاتها المهنية والعلمية منفصلة، بل متداخلة؛ ففهم السلوك يقود إلى فهم الصدمة، وفهم الصدمة يقود إلى فهم الحاجة إلى التمكين، والتمكين يفتح باب القيادة، والقيادة تعيد الإنسان مرة أخرى إلى مركز المؤسسة والمجتمع.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة تجربة نور حليمة بوصفها مسارًا معرفيًا يتجاوز حدود السيرة الذاتية التقليدية. إنها تجربة تنطلق من الإيمان بأن الإنسان موضوع مفتوح للبحث، وأن ما نعرفه عنه لا يشكل نهاية المعرفة، بل بدايتها. ولهذا ظل التعلم حاضرًا باعتباره فعلًا مستمرًا لا محطة نهائية، وظلت التجارب المختلفة تصب في مشروع واحد يقوم على توسيع القدرة على الفهم، ثم توظيف هذا الفهم في خدمة الفرد والمجتمع والمؤسسة.
في عالم يميل إلى تصنيف الناس وفق عناوين واضحة، تبدو قيمة هذه التجربة في رفضها الاختزال. فنور حليمة لا تنتمي إلى تخصص واحد بالمعنى الضيق، وإنما تتحرك عند المنطقة التي تلتقي فيها العلوم الإنسانية بالممارسة المجتمعية وريادة الأعمال والوعي الجسدي والقيادة. وهذه المنطقة تحديدًا هي التي تمنح تجربتها خصوصيتها، لأنها لا تكتفي بالسؤال عن الإنسان من زاوية واحدة، بل تحاول فهمه داخل شبكة علاقاته وتجربته وظروفه وقدرته على التغيير.
ولعل هذا هو المعنى الأعمق لمسيرتها: أن المعرفة لم تكن بالنسبة إليها وسيلة للوصول إلى تعريف ثابت للذات، وإنما وسيلة لإعادة تعريفها باستمرار. كل مرحلة أضافت إلى الصورة، وكل تجربة وسعت المجال الذي تنظر من خلاله إلى الإنسان، حتى أصبح التخصص نفسه أقل أهمية من القدرة على الربط بين التخصصات وصناعة معنى يتجاوزها جميعًا.
ولهذا فإن قصة نور حليمة لا تُختصر في عدد الشهادات التي حصلت عليها، ولا في المجالات التي درستها أو المشاريع التي أسستها، بل في ذلك المسار الفكري والإنساني الذي جعل من التعلم ممارسة مستمرة، ومن المعرفة مسؤولية، ومن التجربة مادة لإعادة النظر والتطور. إنها مسيرة لم تبحث عن إجابة نهائية بقدر ما سعت إلى بناء فهم أكثر نضجًا للإنسان، وهو مشروع لا يبدو أن له خاتمة، لأن الإنسان نفسه، في كل ما يحمله من تعقيد واحتمال، يظل السؤال الأكثر اتساعًا.




