جمال سنان: الرجل الذي رأى في الشاشة أكثر من شاشة

بقلم د. نضال العنداري
في السينما، ثمة أسماء تظهر أمام الكاميرا، وأخرى تقف خلفها، وثمة أسماء لا نراها كثيرًا، لكنها تكون حاضرة في كل تفصيل مما نراه. وبينما ينال الممثل نصيبه من الضوء، ويحصل المخرج على مساحة واسعة من الاعتراف، يبقى المنتج غالبًا في تلك المنطقة الهادئة التي لا تُرى من الشاشة، رغم أن كثيرًا من الأشياء يبدأ منها. فالمنتج الحقيقي لا يقتصر دوره على تمويل عمل أو جمع فريق أو الوصول إلى موعد العرض؛ إنه الشخص الذي يلتقط الفكرة حين تكون مجرد احتمال، ثم يمنحها المساحة والموارد والوقت والفرصة لكي تصبح واقعًا يمكن للجمهور أن يراه ويشعر به.
ومن هذه الزاوية تحديدًا، تبدو تجربة المنتج اللبناني جمال سنان أكثر اتساعًا من مجرد مسيرة مهنية في عالم الدراما والسينما. نحن أمام رجل لم يتعامل مع الإنتاج بوصفه وظيفة، بل بوصفه صناعة لها منطقها وأسئلتها وتحولاتها، وكان عليه، في كل مرحلة، أن يقرأ ما وراء الشاشة بقدر ما يقرأ ما عليها. وربما لهذا السبب لا تبدو قصته حكاية صعود شخص في قطاع فني بقدر ما تبدو حكاية انتقال صناعة كاملة من منطق إلى آخر، ومن سوق إلى سوق، ومن جغرافيا ضيقة إلى فضاء عربي مفتوح على العالم.
ولعل فهم جمال سنان يبدأ من مكان أبكر بكثير من الشهرة، من تلك العلاقة الأولى التي نشأت بينه وبين السينما قبل أن يصبح اسمه مرتبطًا بالإنتاج. فقد جاء من بيئة يعرف فيها الفيلم لا بوصفه عرضًا ينتهي بانطفاء الأضواء، بل بوصفه صناعة لها جمهور وشبكات توزيع وآليات وصول وتأثير. والده أحمد سنان كان يعمل في قطاع دور السينما والتوزيع في بيروت، وهو ما منح الابن منذ سنواته الأولى فرصة نادرة لرؤية الصورة من الجهة الأخرى؛ أن يعرف كيف يصل الفيلم إلى الناس، وكيف يُبنى جمهوره، وكيف يمكن للصناعة أن تعيش خلف العمل الفني نفسه. ثم جاءت تجربته في الولايات المتحدة لتضيف طبقة أخرى إلى هذا الوعي، حيث اقترب من توزيع الأفلام الأميركية في لبنان والعالم العربي وخاض تجارب مرتبطة بالإنتاج، قبل أن يعود إلى لبنان عام 2000 وفي ذهنه صورة أوسع بكثير عن علاقة المحتوى بالسوق.
وعندما عاد، لم يكن المشهد اللبناني ينتظر شخصًا جديدًا فحسب، بل كان يحمل نقصًا حقيقيًا في منظومة الإنتاج. كان هناك كتّاب وممثلون ومخرجون وطاقات إبداعية، وكانت هناك ذاكرة سينمائية وثقافية عريقة، لكن الحلقة التي تصل كل ذلك بسوق قادر على الاستمرار لم تكن دائمًا مكتملة. ومن هنا بدأت الفكرة التي ستتطور لاحقًا إلى مشروع «Eagle Films»: ليس إنتاج عمل واحد، وإنما بناء البنية التي تسمح بإنتاج أعمال متتالية، وبناء جمهور، ثم توسيع دائرة هذا الجمهور.
وهذه النقطة هي التي تفسر كثيرًا من تفاصيل المسيرة اللاحقة. فـ«Eagle Films» لم تبدأ من الإنتاج بصورته التي نعرفها اليوم، بل جاءت في الأصل من عالم توزيع الأفلام، قبل أن تنتقل إلى الإنتاج التنفيذي ثم إلى صناعة المحتوى العربي. هذا المسار مهم لأنه يكشف طبيعة العقلية التي كان يحملها سنان معه: عقلية ترى العمل منذ لحظة ولادته إلى اللحظة التي يصل فيها إلى الجمهور. وفي عالم الترفيه، الفرق بين من يصنع المحتوى ومن يفهم دورة حياة المحتوى قد يكون هو الفارق نفسه بين مشروع عابر وصناعة قابلة للاستمرار.
لهذا لم تكن الدراما اللبنانية، في تجربته، مجرد مساحة محلية ينبغي الحفاظ عليها، بل كانت نقطة انطلاق يمكن أن تتوسع. فالإنتاج السينمائي والدرامي في لبنان لم يكن بالنسبة إليه شأنًا محليًا مغلقًا على نفسه، وإنما جزءًا من سوق عربي أكبر يتغير بسرعة. ومع أعمال سينمائية لبنانية مثل «Bebe» و«السيدة الثانية» و«ولعانة» و«Time Out»، بدأ اسم الشركة يكتسب حضورًا أوضح في المشهد، لكن التحول الأهم لم يكن في عدد الأعمال بقدر ما كان في اتساع النظرة إلى مكانة المنتج اللبناني نفسه.
كان السؤال يتغير ببطء: هل يستطيع العمل اللبناني أن يخرج من بيروت دون أن يفقد هويته؟ وهل يمكن للدراما اللبنانية أن تصبح جزءًا من محادثة عربية أوسع بدل أن تبقى محكومة بسقف جغرافي ثابت؟ ومع مرور الوقت، بدا أن الإجابة لا تُعطى بالكلمات، بل بالأعمال نفسها، وبالشراكات التي بدأت تمتد إلى مصر والخليج، وبالانتقال من فكرة «الدراما اللبنانية» إلى فكرة «الدراما العربية» التي يمكن أن تُنتج في لبنان، وتُكتب بروح عربية، ويشارك فيها نجوم من أكثر من بلد، ثم تصل إلى جمهور يتجاوز الحدود.
وهنا تظهر واحدة من أهم ملامح تجربة جمال سنان: أنه فهم مبكرًا أن الجمهور العربي لم يعد يعيش داخل حدود التلفزيون التقليدي. المدن أصبحت أقرب، والأسواق أكثر تداخلًا، والمنصات الرقمية أعادت تعريف المسافة بين المشاهد والعمل. لم يعد المشاهد في الرياض بعيدًا عن بيروت، ولا في القاهرة منفصلًا عن الدراما اللبنانية، ولا أصبحت جنسية العمل العامل الحاسم في قدرته على الانتشار. القصة الجيدة تستطيع أن تعبر، والنجم يستطيع أن يصبح عربيًا، والمنصة تستطيع أن تنقل العمل من شاشة محلية إلى فضاء عالمي في لحظة واحدة.
وفي هذا السياق جاءت الأعمال التي رسخت اسم «Eagle Films» في الذاكرة الجماهيرية، من «يا ريت» إلى «غراند أوتيل» و«أولاد آدم» و«للموت» وغيرها. لكن بعض الأعمال لا تبقى مجرد عناوين ناجحة، لأنها تتحول مع الوقت إلى علامات على تحول أكبر. ولعل «للموت» كان واحدًا من تلك الأعمال التي تجاوز صداها حدود نجاح المسلسل نفسه، ليؤكد أن الإنتاج اللبناني يستطيع أن يصنع حكاية ذات قدرة على الوصول إلى جمهور عربي واسع، وأن ما يُولد في بيروت يمكن أن يجد مكانه في ذائقة المشاهد العربي بعيدًا عن أي حواجز جغرافية تقليدية.
وهنا يصبح الحديث عن جمال سنان أكثر إثارة من مجرد الحديث عن الأرقام أو عدد الأعمال؛ لأن القيمة الحقيقية لمسيرة المنتج لا تُقاس فقط بما أنتج، بل بما جعله ممكنًا لغيره. المنتج في النهاية لا يصنع صورة فحسب، وإنما يصنع فرصًا. يفتح الباب لكاتب لم يجد من يغامر بنصه، ولمخرج يحتاج إلى مساحة أكبر، ولممثل يستطيع أن يذهب إلى منطقة جديدة في أدائه، ولحكاية ربما كانت ستبقى على الورق لولا أن أحدًا قرر أن يمنحها فرصة.
ولهذا يمكن النظر إلى سنان، في جانب مهم من تجربته، بوصفه صانع شبكة أكثر من كونه مجرد صانع أعمال. ففي صناعة باتت تعتمد بصورة متزايدة على التعاون بين المواهب والشركات والمنصات والأسواق، يصبح المنتج هو الشخص الذي يستطيع أن يجمع عناصر قد لا تجتمع طبيعيًا في مكان واحد. كاتب من بلد، ومخرج من بيئة مختلفة، ونجوم من أكثر من سوق، وشراكة إنتاجية تتجاوز الحدود، ومنصة ذات جمهور عابر للجغرافيا؛ وكل هذه العناصر لا تصبح مشروعًا واحدًا إلا عندما توجد رؤية قادرة على تنظيمها.
ولعل التحول من التلفزيون التقليدي إلى المنصات الرقمية كان اختبارًا حقيقيًا لهذه الرؤية. فقد تغيرت طريقة المشاهدة، وتبدلت طول الحلقات وإيقاعات السرد، ولم يعد المسلسل الطويل هو الشكل الوحيد القادر على جذب الجمهور. بدأت الأعمال الأقصر تأخذ مساحة متنامية، وأصبح على المنتج أن يفهم ليس فقط ما يريد الجمهور مشاهدته، بل أيضًا كيف يريد أن يشاهده. وفي هذه اللحظة تحديدًا، تظهر أهمية الخبرة المتراكمة في التوزيع والإنتاج معًا؛ لأن من يعرف حركة السوق يستطيع أن يرى التحول قبل أن يصبح واقعًا مكتمل الملامح.
وربما لهذا استمر الحضور عبر أجيال مختلفة من الدراما، وصولًا إلى أعمال السنوات الأخيرة مثل «بالدم»، التي أعادت تسليط الضوء على الإنتاج اللبناني، وفي الوقت نفسه أكدت أن الانفتاح العربي لا يعني التخلي عن الجذور المحلية. فالمشروع الذي توسع خارج لبنان ظل يعود إليه باستمرار، وكأن نقطة البداية لم تكن مجرد مكان انطلقت منه الرحلة، بل جزءًا من هويتها المستمرة.
وهنا تكمن المفارقة الأجمل في قصة جمال سنان. لقد خرج من لبنان ليعود إليه بفكرة أوسع عنه. حمل معه خبرة من سوق عالمي، ثم عاد ليبحث عن إمكانية بناء صناعة محلية أكثر قدرة على المنافسة. بدأ من التوزيع، ثم انتقل إلى الإنتاج، ومن الإنتاج المحلي تحرك نحو الشراكات العربية، ومن التلفزيون دخل عالم المنصات، وكل انتقال لم يكن قطيعة مع ما قبله، بل طبقة جديدة تضاف إليه.
لهذا فإن اختزال جمال سنان في لقب «منتج لبناني» يبدو أقل من حجم التجربة. فاللبناني في هذه القصة ليس حدودًا جغرافية، بل نقطة انطلاق. والعربي ليس سوقًا نهائيًا، بل فضاء للحركة. أما العالمي، فليس بالضرورة أن يعني الهروب من الهوية أو تقليد الآخرين، بل أن تكون قادرًا على إنتاج محتوى من بيئتك الخاصة، ثم تجعله مفهومًا ومؤثرًا خارجها.
وفي النهاية، قد تبدو السينما والتلفزيون أمام المشاهد صناعة لحظات: مشهد، وجه، موسيقى، حوار، نهاية حلقة. لكن خلف كل تلك اللحظات يقف عالم كامل من القرارات والمخاطر والعلاقات والرؤية. وهناك، في تلك المنطقة غير المرئية، تتحدد قيمة المنتج الحقيقية.
جمال سنان ليس مهمًا فقط لأنه أنتج أعمالًا وصلت إلى الناس، بل لأن مسيرته تكشف كيف يمكن لفكرة واحدة أن تتسع حتى تصبح مشروع صناعة. من بيروت التي عرف فيها السينما صغيرًا، إلى خبرة التوزيع، إلى تأسيس «Eagle Films»، إلى الدراما اللبنانية والعربية، إلى الشراكات الإقليمية والمنصات، تتشكل أمامنا سيرة لا تُقرأ كقائمة إنجازات، بل كرحلة في فهم كيف تتحول الثقافة حين تجد من يؤمن بإمكاناتها ويعرف كيف يمنحها الأدوات المناسبة.
وفي عالم تتغير فيه صناعة الصورة كل عام، ربما يبقى التحدي الأكبر أمام أي منتج هو أن يعرف كيف يرى ما لم يصبح واضحًا بعد.
بعض المنتجين يصنعون أعمالًا تنجح، وبعضهم يبني شركات تستمر، لكن القلة فقط تحاول أن تترك وراءها أثرًا في طريقة صناعة العمل نفسه.
وربما كان هذا هو المعنى الأعمق لتجربة جمال سنان: أنه لم يكتفِ بأن يكون جزءًا من المشهد، بل حاول، خطوة بعد أخرى، أن يوسّع المشهد نفسه.



