المهندس مازن رضا البزري: هندسة الرؤى المتكاملة

بقلم د. نضال العنداري
من إدارة المشاريع الكبرى إلى صياغة العقد التنموي الجديد
في المشهد اللبناني المفتقر إلى نماذج قيادية تجمع بين الرؤية المؤسسية والعمل الإنمائي المستدام، يبرز اسم المهندس مازن رضا البزري كحالة استثنائية تعيد تعريف مفهوم “الشأن العام”. ليس البزري مجرد رجل أعمال تقليدي راكم نجاحاته خلف الأبواب المغلقة، بل هو عقل هندسي ديناميكي، أدرك مبكراً أن البناء الحقيقي لا يكتمل إلا بالتشبيك مع قضايا المجتمع. انطلاقاً من مدينته صيدا، التي تمثل عاصمة الجنوب اللبناني وخزان طاقاته، نسج البزري مسيرة مهنية ومجتمعية متقنة، تمتد من إدارة المشاريع الدولية الكبرى، مروراً باحتضان الشباب وصناعة المعرفة، وصولاً إلى طرح مشروع بلدي متكامل يهدف إلى انتشال المدينة من أزماتها الهيكلية.
القيادة المؤسسية والمسؤولية الإنسانية
على الصعيد المؤسسي، يقف المهندس مازن البزري على رأس شركة “CMCCO” الدولية، بصفته المؤسس والمدير العام. لم تكتفِ هذه الشركة بتقديم الاستشارات الهندسية التقليدية، بل رسخت موقعها ككيان رائد ومتخصص في قطاع إدارة المشاريع. تعكس قيادته لـ “CMCCO” عقلية إدارية فذة، تعتمد على التخطيط الاستراتيجي، وتحليل المخاطر، وتنفيذ الأعمال بنهج علمي صارم. غیر أن هذا النجاح الاقتصادي لم يعزله عن واجبه الإنساني والمجتمعي؛ فقد ترجم التزامه بمبدأ التكافل الاجتماعي عبر إطلاق مبادرات حيوية، تُوجت بافتتاح “مستوصف حكمت ورضا البزري الخيري (HRB)” بالتعاون مع جمعية دعم المبادرات الإنسانية وتطويرها. تؤكد هذا النهج أن دور القطاع الخاص، في فكر البزري، يجب أن يتقاطع بشكل وثيق مع دعم صمود المجتمع وتخفيف أعبائه الصحية والمعيشية.

توظيف الخبرة الدولية لخدمة المجتمع
يؤمن المهندس البزري إيماناً راسخاً بضرورة توظيف خبرته الواسعة كاستشاري على المستوى الدولي لخدمة المجتمع المحلي. هذا التوجه يتجلى بوضوح في إطلاق مشاريع إنسانية رائدة. فبالإضافة إلى حاضنة الأعمال والمستوصف، يبرز اهتمامه البالغ بالتدريب الحرفي والمهني. وفي هذا السياق، أطلق مشروعاً نوعياً يتمثل في “حاضنة أعمال للحرفيين”، والتي توفر مساحات عمل مجهزة ومخصصة لدعم هذه الفئة. يضم هذا المركز الحرفي برامج تدريب مجانية، بالإضافة إلى توفير أماكن عمل للحرفيين الذين لا يملكون الموارد الكافية للبدء بمشاريعهم الخاصة، مما يساهم في تمكينهم اقتصادياً واجتماعياً. باختصار، تتركز رؤية البزري على تحويل الخبرة الدولية في الاستشارات إلى واقع ملموس يخدم المشاريع الإنسانية والاجتماعية.
احتضان الابتكار ومواجهة الأزمات البيئية
وإدراكاً منه بأن التحول الحقيقي يبدأ من الاستثمار في العقول الشابة، أسس البزري مركز حاضنة الأعمال “FLOW” في صيدا. لا تمثل هذه الحاضنة مجرد مساحة للعمل المشترك، بل هي منصة حيوية لإنتاج الحلول العلمية والعملية لأزمات المدينة المستعصية. ومن أبرز تجليات هذا الدور الفاعل، تنظيم الحاضنة لندوات علمية متخصصة، كان من أهمها الندوة التي سلطت الضوء على واقع شبكات الصرف الصحي ومحطات التكرير المتردي في مدينة صيدا. يعكس هذا التحرك توظيفاً مباشراً للبحث العلمي والتفكير المبتكر في رصد ومعالجة الكوارث البيئية التي تهدد الصحة العامة للمواطنين.
الشخصية القيادية: المنهجية والرؤية الشاملة
لم يقف المهندس البزري عند حدود الإدارة التقليدية للأعمال، بل تميز بشخصية قيادية مبادرة تمتلك الجرأة لطرح رؤى وحلول استثنائية تهدف إلى نهضة مجتمعه. تتسم قيادته بالقدرة على توجيه الخطاب الشامل لكافة شرائح المجتمع، والاقتراب من همومهم اليومية وتطلعاتهم نحو فرص عمل حقيقية وبيئة مستقرة.
ترتكز شخصيته القيادية على إيمانه العميق بضرورة وضع “خطة تنمية شاملة” تبدأ من معالجة الأزمات الأساسية وتطوير البنية التحتية، وصولاً إلى تشجيع الاستثمارات وبناء المشاريع الحيوية. وما يميز هذه الرؤية هو تشديده الدائم على أن “المنهجية العلمية” تحمل أهمية تفوق مجرد طرح الأفكار. فقد اعتمد في مقاربته القيادية على إجراء دراسات مفصلة للمخاطر، مع ضرورة تحديد أولويات المشاريع التنموية وفق معايير دقيقة للاحتياج والفعالية. ولم تقتصر رؤيته القيادية على النطاق المحلي، بل امتدت لاقتراح تعزيز العلاقات مع المجتمع الدولي عبر إرساء شراكات استراتيجية لفتح آفاق استثمارية ومعرفية جديدة لمدينته، معتمداً على لغة الحوار الشفاف لمعالجة القضايا اليومية الحساسة بشجاعة ومسؤولية.
فصل الإدارة عن السياسة: رؤية جريئة للحوكمة
لعل الموقف الأبرز والأكثر صلابة في مسيرة البزري التنموية، هو مقاربته الواضحة لمسألة العلاقة مع القوى السياسية. فقد أرسى قاعدة ذهبية تقوم على الفصل التام بين “العمل السياسي” و”العمل التنموي”. يؤمن البزري بأن دور السياسيين يجب أن يقتصر على توفير المظلة الوطنية والرعاية، وأن يكونوا “صلة وصل” لتسهيل عمل البلدية مع إدارات الدولة المركزية. وفي المقابل، يرفض بشكل قاطع أي تدخل سياسي في التفاصيل الإدارية، أو الدراسات الفنية، أو القرارات التشغيلية للبلدية، معتبراً أن هذا التداخل يضر بشكل مباشر بمصلحة المدينة ويعرقل مسار التنمية فيها. يرى البزري أن صيدا تزخر بطاقات وخبرات هائلة، والمطلوب هو رفع الوصاية عن هذه الكفاءات ومنحها الفرصة الكاملة لتبدع وتنهض بمدينتها.
في المحصلة، لا يمثل المهندس مازن رضا البزري مجرد رقم إضافي في معادلة الأعمال اللبنانية، بل هو نموذج للقائد العضوي المرتبط عضوياً ببيئته. من هندسة المشاريع الكبرى عبر “CMCCO”، إلى هندسة الحلول الشبابية عبر “FLOW”، وصولاً إلى سعيه لهندسة واقع بلدي وإنماء جديد لمدينة صيدا، يثبت البزري أن القيادة الحقيقية هي تلك التي تمتلك شجاعة المبادرة، وصلابة الموقف المؤسسي، ورؤية متكاملة لا تساوم على كرامة المواطن وحقه في العيش داخل مدينة تليق بطموحاته وتاريخه.
بقلم الدكتور نضال العنداري



